تشكل حادثة مداهمة صاحب مولّد كهربائي في منطقة ساقية الجنزير نموذجًا مصغرًا لأزمة بنيوية أعمق يعيشها المجتمع اللبناني، حيث تتقاطع أدوار الدولة، والأفراد، والأجهزة الأمنية ضمن شبكة معقدة من المسؤوليات المتداخلة والاختلالات المزمنة. وانطلاقًا من الفرضية القائلة إن اللوم لا يقع على الفاعلين المباشرين بقدر ما يتحمله قصور الدولة، يمكن قراءة هذه الحادثة ضمن إطار سوسيولوجي أوسع يتناول مفهوم "الدولة العاجزة" وإعادة توزيع الأدوار داخل المجتمع.
أولًا، يبرز صاحب المولّد الكهربائي بوصفه فاعلًا غير رسمي يسدّ فراغًا حيويًا في بنية الخدمات العامة. ففي ظل الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، نشأت اقتصاديات موازية قائمة على المبادرات الفردية، تحولت مع الوقت إلى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية. وبذلك، لم يعد صاحب المولّد مجرد تاجر خدمة، بل أصبح عنصرًا شبه مؤسساتي يؤدي وظيفة عامة بديلة عن الدولة. هذا التحول يعكس ما يُعرف في الأدبيات الاجتماعية بـ"خصخصة الضرورة"، حيث يتم نقل مسؤوليات الدولة الأساسية إلى أفراد أو مجموعات خاصة.
ثانيًا، يمثل عنصر الأمن طرفًا آخر في هذه المعادلة، حيث يجد نفسه في موقع تنفيذ القانون ضمن ظروف معيشية صعبة وضغوط اجتماعية متزايدة. إن التناقض بين واجب تطبيق القانون والتعاطف الشعبي مع المخالفين يعكس أزمة شرعية، إذ يصبح تنفيذ القانون ذاته موضع مساءلة أخلاقية. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار رجل الأمن ضحية لبُنية إدارية تضعه في مواجهة مباشرة مع المجتمع، بدل أن يكون وسيطًا بينه وبين الدولة.
ثالثًا، تبرز الدولة كفاعل مركزي غائب/حاضر في آنٍ معًا. فهي حاضرة من خلال أجهزتها العسكرية والقانونية، وغائبة في أداء وظائفها الأساسية، وعلى رأسها تأمين الخدمات العامة. هذا التناقض يؤدي إلى تآكل الثقة بين المواطن والدولة، ويعيد تشكيل مفهوم الشرعية، بحيث تصبح المبادرات الفردية أكثر قبولًا من المؤسسات الرسمية. وعليه، فإن تحميل المسؤولية الكاملة للدولة لا يأتي من باب التبرير، بل من منطلق تحليل بنيوي يربط بين فشل السياسات العامة وظهور أنماط بديلة من التنظيم الاجتماعي.
في المحصلة، تكشف هذه الحادثة عن خلل عميق في العقد الاجتماعي، حيث لم تعد الدولة قادرة على أداء دورها كضامن للخدمات والأمن معًا، مما يؤدي إلى تضارب في الأدوار بين الفاعلين المختلفين. إن معالجة هذه الإشكالية لا تقتصر على الحلول الأمنية أو القانونية، بل تتطلب إعادة نظر شاملة في دور الدولة ووظائفها، وتعزيز آليات المساءلة، وإعادة بناء الثقة بينها وبين المواطنين.
بذلك، لا يمكن فهم حادثة ساقية الجنزير كواقعة معزولة، بل كمرآة تعكس أزمة نظام بأكمله، حيث يتحول التقصير المؤسسي إلى عبء اجتماعي موزع على الجميع، دون أن يتحمل أحد المسؤولية الكاملة بشكل فعلي.
العميد الركن الدكتور
بهاء حلال

Social Plugin