إذا كانت جولة تامبا التفاوضية اليوم وغداً بين لبنان وإسرائيل لا توحي بأي اختراقات جديّة في مسار تنفيذ الاتفاق الإطار، ربطاً بتوقيتها قبل أسبوع من الانتخابات الإسرائيلية، فإن المناخ الداخلي لا يبدو بدوره مريحاً في ظل استمرار مؤشرات التوتير المفتعل منذ مصادرة السلطات الأمنية شحنة المتفجرات العائدة لـ"حزب الله" في ضهر البيدر، والتي لم يتوقف الحزب بعدها عن تسعير حملات التهجم والتحدي والاستفزاز للسلطة الشرعية بكل رموزها وقواها. وإذ تتزاحم الاستحقاقات الداهمة من المفاوضات إلى الوضع الداخلي، فإن تحديات مرحلة ما بعد اليونيفيل أيضاً ستغدو استحقاقاً عاجلاً مع تكثيف المشاورات الدولية في قابل الأيام حول البدائل التي لم يحسم أي منها بعد.
ولكن العامل اللافت في المشهد الداخلي تمثّل في الساعات الأخيرة في رفع السلطة الشرعية وتيرة تشدّدها في تطبيق القوانين والمضي في التحقيق في ملف المتفجرات وملاحقة المتورطين حتى النهاية. هذا التطور عكس قراراً استراتيجياً ثابتاً لدى رئاستي الجمهورية والحكومة على عدم التهاون أمام حملات التحريض والاستفزاز ومحاولات ترهيب البلاد بأنماط قديمة، كما كشف مصدر بارز لـ"النهار". وبعد البيان البارز لرئيس الحكومة نواف سلام مساء الأحد، جاء كلام رئيس الجمهورية جوزف عون خلال ترؤسه أمس اجتماعاً أمنياً موسّعاً في قصر بعبدا في حضور قادة الأجهزة كلها في الإطار المتشدّد نفسه. إذ أكد "ضرورة التشدّد في تطبيق القوانين، ومنع المظاهر المسلحة، ومصادرة الأسلحة والذخائر، والإسراع في التحقيقات، وإحالة المخالفين على القضاء المختص لإجراء اللازم"، مؤكداً "أن المرحلة الراهنة تتطلب متابعة دقيقة للأوضاع واعتماد الإجراءات الاستباقية الضرورية، إضافة إلى قطع الطريق على أي استغلال للشأن الاقتصادي لتحويله إلى إخلال بالأمن".
وأضاف عون: "لا يجوز التهاون مع أيّ محاولة للإخلال بالأمن أو المساس باستقرار البلاد، والمرحلة الراهنة تتطلّب أعلى درجات الجهوزية والتنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتبادلاً مستمراً للمعلومات وتقييماً دقيقاً للتطورات، بعيداً عن أي ازدواجية في الأدوار أو تضارب في الصلاحيات". وطلب "تعزيز وجود قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة في القرى والبلدات الجنوبية غير الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، لتوفير الطمأنينة للأهالي وتسهيل الخدمات الإدارية لهم، منوّهاً بعمل الجيش والقوى الأمنية وبجهوزيتها وسرعة تحرّكها وفعاليتها في كشف الجرائم ومرتكبيها وملاحقتهم وتوقيفهم".
حملات التهديد
غير أن "حزب الله" مضى في حملات التهديد، إذ دعا عضو كتلته النيابية إبراهيم الموسوي السلطة إلى "عدم الاستمرار في ما هي عليه، من ضغط ناسنا والتنمّر عليهم وضغط الشارع، لأن هذا سيؤدي إلى الانفجار الذي بات على الحافة، وبالتالي على المسؤولين في السلطة أن ينتبهوا جيداً". كما أن زميله النائب علي فياض اعتبر "أن هذه السلطة أوصلت برعُونتها وقلة مسؤوليتها البلد إلى نقطة احتقان داخلي خطير، وهي تتحمل بصورة كاملة المسؤولية عن تداعياته وعواقبه".
ووسط أجواء الاشتباه المتصاعدة حيال ممارسات "حزب الله"، أثيرت ضجة حول اكتشاف نفق في منطقة الفنار أمس. وأعلنت قيادة الجيش أن وحدات مختصّة من الجيش أجرت كشفاً على النفق الذي عُثر عليه في منطقة الفنار - المتن الشمالي، وتَبيّن أنّ طوله الإجمالي يبلغ نحو 13 متراً (5 أمتار عموديّاً و8 أمتار أفقيّاً)، وأنّه لا يحتوي على أي أسلحة أو عتاد عسكري. وقد ضُبطت داخل النفق عدة حفر فردية، كما أوقِف أحد المشتبه فيهم بالمشاركة في حَفره. تجري متابعة التحقيق لتحديد وجهة استعماله.
مجلس الأمن الدولي
وسط هذه الأجواء، يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة مشاورات مغلقة غداً الأربعاء لمناقشة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش حول تنفيذ القرار 1559 في لبنان. ويتوقع، وفق معلومات "النهار"، أن تبحث في الجلسة نفسها البدائل المحتملة للحلول مكان القوة الدولية العاملة في جنوب لبنان اليونيفيل بعد انتهاء ولايتها في نهاية السنة الحالية.
وفي هذا السياق، نقلت مراسلة "النهار" في باريس رندة تقي الدين عن مصدر دولي رفيع المستوى، متابع عن كثب للأوضاع في جنوب لبنان، أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد طبيعة الوجود الدولي في الجنوب اللبناني، مع اقتراب انطلاق المفاوضات في مجلس الأمن حول الترتيبات التي ستعقب انتهاء مهمة اليونيفيل.
وأوضح المصدر أن المشاورات مع كبار المسؤولين اللبنانيين، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، أظهرت وجود قلق مشترك من احتمال انسحاب الأمم المتحدة من الجنوب من دون توفير آلية دولية بديلة تضمن مراقبة الخط الأزرق وتمنع الاحتكاكات العسكرية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. وأشار إلى أن الخيارات المطروحة أمام الأمم المتحدة لم توضع بصورة منفردة، بل استندت إلى مطالب وملاحظات لبنانية، وخصوصاً رغبة لبنان في المحافظة على وجود دولي يؤدي وظائف أساسية تتعلق بمراقبة الانتهاكات وتوثيقها وخفض التصعيد وتقديم الدعم للجيش اللبناني والمساعدة في تسهيل العمليات الإنسانية.
واعتبر المصدر أن أخطر ما قد يترتب على انتهاء مهمة اليونيفيل هو غياب جهة دولية مستقلة تتولى مراقبة الخط الأزرق وإعداد التقارير عن الانتهاكات الإسرائيلية. وكشف أن قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، عبّر بوضوح للجهات الدولية عن هذه المخاوف، إذ حذّر من احتمال وقوع حوادث خطيرة بين الجنود اللبنانيين والإسرائيليين إذا غابت القوة الدولية التي تؤدي حالياً دور الوسيط الميداني.
غير أن المصدر شدد على أن المبادرة الفرنسية الإيطالية المتعلقة بتشكيل قوة متعددة الجنسيات لا تزال قيد المناقشة، ولم يتحقق حتى الآن أي اتفاق نهائي بشأنها. وشدّد على أن الرسالة الأساسية من الأمم المتحدة هي ضرورة إسماع صوت لبنان خلال المفاوضات المقبلة في مجلس الأمن، لأن الدولة اللبنانية هي المعنية الأولى بنتائجها.
وكانت التحديات التي تواجه لبنان ورسالة الدعم العربي له في صلب الجولة التي قام بها الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي على الرؤساء الثلاثة، إذ أعلن أنه "حمل رسالة إلى لبنان بدعمه عقب الاجتماع الوزاري العربي، وسأترك لبنان حاملاً مسؤوليات إضافية على ضوء ما استمعت إليه من المسؤولين هنا". وأكد أنه "سيتمّ تكثيف النشاط السياسي والديبلوماسي بشأن لبنان وهناك دعم عربي كامل لمفاوضاته مع إسرائيل".
وأكد الرئيس سلام أمام فهمي على "أهمية مواصلة الدعم العربي للبنان، ولا سيما لجهود الدولة اللبنانية الرامية إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من أراضيها، وبسط سلطتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحدها". كما شدّد على "أهمية مساندة الدول العربية للبنان في مسار العودة والتعافي وإعادة الإعمار، بما يساهم في تثبيت الأهالي في أرضهم وتعزيز حضور مؤسسات الدولة"

Social Plugin