بيروت تكرّم البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم بافتتاح حديقة تحمل اسمه في السيوفي … وفاءٌ لإرثٍ جمع الإيمان بالفكر والانفتاح الوطني


جوسلين جريس _ الاشرفية نيوز

في مدينةٍ تتراكم في ذاكرتها حكايات الرجال الذين تركوا بصمتهم في تاريخها، لا تكون تسمية حديقة باسم شخصية استثنائية مجرّد إضافة إلى خريطة الأماكن، بل استعادةً لمسيرةٍ تجاوزت حدود الزمن والموقع، ورسالةً بأن الأثر الحقيقي لا ينتهي برحيل صاحبه. من هذا المعنى، افتُتحت حديقة البطريرك المثلث الرحمات إغناطيوس الرابع هزيم في منطقة السيوفي – الأشرفية، في احتفالٍ جمع الوفاء للذاكرة الروحية والإنسانية بالتأكيد على قيم المواطنة والعيش المشترك وخدمة الإنسان.

وبرعاية دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، نظّمت بلدية بيروت، ظهر السبت في 17 تشرين الأول 2026، حفل افتتاح الحديقة تكريمًا لذكرى البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم وتخليدًا لإرثه الروحي والإنساني، بحضور شخصيات رسمية وروحية وبلدية، وممثلين عن مؤسسات ومخاتير وفعاليات مختلفة، و تقدّمهم متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس المطران إلياس عودة، ومحافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود، ونائب رئيس الحكومة الدكتور طارق متري ممثلًا رئيس مجلس الوزراء.

واستُهلّت المناسبة بالنشيد الوطني اللبناني، قبل أن يفتتح الأستاذ سمير نعيمة الكلمات مستعرضًا محطات من سيرة البطريرك الراحل، الذي شكّلت حياته مسارًا متكاملًا بين الإيمان والعلم والخدمة العامة، وتجاوز حضوره حدود الكنيسة ليحمل أبعادًا تربوية وثقافية ووطنية وإنسانية.

وتوقّف نعيمة عند نشأة حبيب هزيم، المولود في محردة بسوريا في 4 نيسان 1920، وانتقاله إلى بيروت عام 1936، حيث تابع دراسته، قبل أن يتخصص في العلوم الفلسفية والتربوية في الجامعة الأميركية في بيروت، ويتابع دراساته اللاهوتية والفلسفية في معهد القديس سرجيوس في باريس. ثم انتقل إلى الخدمة الكنسية، متدرّجًا في مسؤولياتها، من الكهنوت إلى الأسقفية، وصولًا إلى انتخابه بطريركًا لأنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس في 2 تموز 1979، متخذًا اسم إغناطيوس الرابع.

ولم تكن هذه المسيرة، كما أضاء عليها نعيمة، حبيسة الإطار الكنسي، بل ارتبطت بمشروعٍ تربوي وثقافي واسع، تجلّى في تأسيس كلية البشارة، ثم في إطلاق جامعة البلمند عام 1988، إلى جانب أدواره في مجلس كنائس الشرق الأوسط ومؤسسات مسكونية دولية، وسعيه إلى تعزيز الحوار والتلاقي بين الكنائس والثقافات. كما استعاد حضوره في المحافل العربية والدولية، وما عُرف به من انفتاحٍ على قضايا المنطقة، ومن إيمانٍ بأن المعرفة والحوار والمسؤولية تجاه الإنسان عناصر أساسية في بناء المجتمعات.

وفي استحضارٍ حمل دلالةً تتجاوز التوثيق التاريخي، أشار نعيمة إلى مقولة المؤرخ أسد رستم: «إن ضاعت الأصول ضاع التاريخ»، مستعيدًا من خلالها مكانة البطريرك الراحل بوصفه أحد الوجوه التي لا تُقرأ سيرتها من خلال المناصب وحدها، بل من خلال ما أسهمت به في صون الهوية وتعزيز الفكر وتثبيت قيم الانفتاح.

بعد ذلك، ألقى محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود كلمة تناول فيها رمزية الحديقة في ذاكرة العاصمة والأشرفية، معتبرًا أنها ليست مساحة خضراء إضافية فحسب، بل مكانٌ يجمع العائلات والأطفال، ويمنح الحياة اليومية في المدينة متنفسًا، فيما يضع اسم البطريرك إغناطيوس الرابع في قلب فضاءٍ عام يرتاده الناس وتلتقي فيه الأجيال.
ورأى عبود في النصب الذي خُصّص للبطريرك الراحل عودةً رمزية لرجلٍ عزيز إلى المدينة التي أحبّها وارتبطت بها محطات أساسية من حياته، مؤكدًا أن تخليد الشخصيات لا يكتمل بالاحتفاء بأسمائها فقط، بل باستحضار القيم التي جسّدتها في مسيرتها.

وتطرّق محافظ بيروت إلى خصوصية العاصمة اللبنانية، التي لا تستقيم هويتها إلا بشراكة أبنائها المسلمين والمسيحيين، وبما يجمعهم من تاريخٍ وأرضٍ ومستقبل. وفي هذا السياق، استعاد المعنى الوطني الذي حمله البطريرك إغناطيوس الرابع، وإيمانه بأن التنوّع اللبناني يمكن أن يكون مصدر غنىٍ وقوة، متى استند إلى الاحترام المتبادل والشعور بالمسؤولية المشتركة.

كما وجّه عبود تحية تقدير إلى رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام على رعايته الاحتفال، وإلى المطران إلياس عودة على دوره الروحي والمؤسساتي في بيروت، وشكر الأجهزة الأمنية ورؤساءها وممثليها على جهودهم في الحفاظ على أمن العاصمة ولبنان. واختتم كلمته بالتأكيد على أهمية صون بيروت، مدينةً جامعةً لأبنائها، وعلى أن تبقى ذكرى البطريرك الراحل حاضرةً بما تمثّله من قيمٍ إنسانية ووطنية.


وفي الكلمة الروحية التي أعقبت ذلك، قدّم متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس المطران إلياس عودة قراءةً في إرث البطريرك إغناطيوس الرابع، ناقلًا بركة البطريرك يوحنا العاشر وتحيّاته، ومعربًا عن سعادته بافتتاح الحديقة تكريمًا لسلفه، الذي بقي جزءًا من ذاكرة الكنيسة الأنطاكية ولبنان، ولا سيما بيروت التي احتضنت مراحل أساسية من حياته وتكوينه وخدمته.

واستعاد المطران عودة صورة البطريرك الراحل بوصفه رجل إيمانٍ وفكر، جعل من الحقيقة موقفًا ثابتًا في مواجهة الفساد والظلم، ومن خدمة الإنسان مسؤوليةً لا تنفصل عن الإيمان. وأضاء على اهتمامه بالتعليم وبناء المؤسسات، من كلية البشارة إلى جامعة البلمند، حيث لم يكن التعليم مجرّد تحصيلٍ معرفي، بل وسيلةً لتكوين الإنسان وتعزيز انتمائه، وفتح آفاق الحوار والتلاقي أمام أجيالٍ من خلفيات مختلفة.

وفي تأملٍ استوحاه من طبيعة المكان، رأى عودة أن الحديقة تحمل بدورها معنى يتجاوز الأشجار والممرات؛ فالجذور ترمز إلى الثبات في الهوية والإيمان، فيما تعبّر الأغصان الممتدة نحو الضوء عن الانفتاح على المعرفة والحياة والمستقبل. واستشهد بقول المزمور: «ما أعظم أعمالك يا رب، كلّها بحكمة صنعت»، رابطًا بين جمال الخليقة والمسؤولية في الحفاظ عليها، وبين رسوخ الجذور والحاجة الدائمة إلى التجدد.

ولم تغب القضايا الوطنية عن كلمة المطران عودة، الذي شدّد على أن لبنان يحتاج إلى مسؤولية فعلية ومحاسبة وخدمة صادقة، لا إلى خطاباتٍ لا تجد طريقها إلى حياة المواطنين. وفي ظل الأعباء المعيشية وتراجع الخدمات والفساد والإهمال، دعا إلى استعادة معنى المسؤولية بوصفها تكليفًا لخدمة الناس، لا امتيازًا يُمنح لشاغلي المواقع العامة.

واستعاد في هذا الإطار القول الإنجيلي: «من أراد أن يكون فيكم أولًا فليكن للجميع خادمًا»، معتبرًا أن تكريم البطريرك إغناطيوس الرابع لا يكتمل بتسمية حديقة باسمه أو إقامة نصبٍ تذكاري له، بل بأن تتحوّل القيم التي عاش من أجلها إلى ممارسة يومية: ضمير حر، وإيمان ثابت، وانفتاح على الآخر، وانتماء وطني مسؤول، ورفض للفساد، واحترام للبيئة وكرامة الإنسان.

كما شدّد على أن المسلمين والمسيحيين شركاء في لبنان، وأن مستقبل البلاد لا يُبنى إلا بإرادةٍ مشتركة تحمي وحدته وتنوّعه، وتعيد الاعتبار إلى الحقيقة والعدالة والرجاء. ووجّه الشكر إلى المجلس البلدي السابق الذي أقرّ تسمية الحديقة، وإلى المجلس البلدي الحالي الذي تابع تنفيذ المشروع، مؤكدًا أهمية المساحات العامة في تعزيز اللقاء وحفظ الذاكرة المشتركة بين أبناء المدينة. واختتم كلمته بالصلاة من أجل لبنان، راجيًا أن يستعيد مكانته في الفكر والثقافة والريادة.

واختُتمت الكلمات الرسمية بكلمة دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، الذي استهلّها باستحضار قيمة المحبة في رسالة القديس بولس إلى أهل كورنثوس، معتبرًا أنّها جوهر الإيمان والعمل الإنساني. واستعاد سلام سيرة البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم، الشخصية التي حظيت بمحبة اللبنانيين والسوريين وتقديرهم، لما تميّزت به من حكمة وشجاعة، وما تركته من أثر في الرعاية الروحية وبناء المؤسسات، وفي الدفاع عن الحرية وتجاوز العصبيات الطائفية وترسيخ مفهوم الوطن الواحد لجميع أبنائه.

وأشار إلى العلاقة العميقة التي ربطت البطريرك ببيروت، وإلى إصراره على المساهمة في بناء لبنان من خلال العلم والمؤسسات، مستشهدًا بإيمانه بأنّ بناء الوطن مسؤولية لا تتوقف رغم الصعوبات. كما شدّد على رمزية إطلاق اسمه على الحديقة، لما تمثّله من مساحة عامة مفتوحة أمام الجميع، تستعيد ذاكرة الأجيال وتتيح لأهل بيروت الالتقاء وصناعة ذكريات جديدة، مؤكدًا أهمية المساحات الخضراء في حياة المدن وحقّ المواطنين في فضاءات مشتركة تجمعهم بعيدًا عن صخبها. واختتم كلمته بتهنئة أهل بيروت واللبنانيين بالحديقة التي تحمل اسم البطريرك، متمنيًا أن تبقى بيروت مدينة حيّة وجامعة وحاضنة لجميع أبنائها.

وعقب الكلمات، انتقل الحاضرون إلى الموقع الخارجي للحديقة، حيث أُزيح الستار عن النصب التذكاري للبطريرك إغناطيوس الرابع هزيم، في لحظةٍ شكّلت ذروة الاحتفال، وانتقلت فيها المناسبة من استعادة السيرة بالكلمات إلى تثبيت الذكرى في المكان. وبات النصب شاهدًا على مسيرة رجلٍ ارتبط اسمه بالإيمان والعلم والانفتاح، وعلى إرثٍ تتجاوز دلالاته حدود التكريم الشخصي إلى ما يمثّله من دعوةٍ إلى الحوار وخدمة الإنسان وصون الوطن.
واختُتمت المناسبة بالتقاط الصور التذكارية، تلاها كوكتيل ضيافة صغير جمع المشاركين في أجواءٍ من اللقاء والتقدير.

وبافتتاح حديقة البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم، لم تضف بيروت اسمًا جديدًا إلى أحد فضاءاتها العامة فحسب، بل جدّدت صلتها بذاكرة رجلٍ آمن بأن الكنيسة ليست بعيدة عن قضايا الإنسان، وأن الإيمان يكتمل حين يتحوّل إلى علمٍ وخدمةٍ وموقفٍ أخلاقي. فالأسماء التي تستحق أن تبقى ليست تلك التي تُكتب على الحجر وحده، بل تلك التي تترك في الوعي ما يستحق أن ينتقل من جيلٍ إلى جيل.

من موقع الأشرفية نيوز، تبقى هذه الحديقة مساحةً للقاء والذاكرة، وتبقى سيرة البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم تذكيرًا بأن إرث الإنسان لا يُقاس بطول سنوات حياته، بل بما يتركه من جذورٍ ثابتة، وأبوابٍ مفتوحة، وأثرٍ يواصل النمو حتى بعد الغياب.


. Whatsapp Channel https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h 

 on telegram

 all platforms
 Achrafieh News 
 لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا