على مدى يومين، تحوّل Padova Hotel في سنّ الفيل، بالتوازي مع المشاركة عبر منصة «Zoom»، إلى مساحة علمية وفكرية جمعت أكاديميين وتربويين وباحثين وإعلاميين وخبراء من لبنان وخارجه، في المؤتمر الدولي المدمج «التجديد التربوي في ظل الأزمات وما بعدها: رؤى واستراتيجيات لبناء تعليم مرن ومستدام»، الذي انعقد يومي السبت والأحد 19 و20 أيلول 2026، برئاسة وتنظيم الدكتورة ريما يونس، رئيسة الجمعية اللبنانية للتجديد التربوي والثقافي الخيرية ALREC LIBAN.
وجاء المؤتمر بالتعاون مع المعهد اللبناني لإعداد المربين في جامعة القديس يوسف في بيروت ILE–USJ، ومركز تميم للدراسات والأبحاث في الأردن، ومركز التدريب المستمر في اليسوعية CFP–USJ، وجامعة محمد الأول بوجدة في المملكة المغربية، ليطرح سؤالاً يتجاوز حدود المدرسة والجامعة: كيف يمكن بناء منظومة تعليمية لا تتوقف عندما تتوقف الظروف الطبيعية؟
فالأزمات الصحية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية، إضافة إلى الحروب والطوارئ، لم تعد أحداثاً استثنائية يمكن للقطاع التربوي أن ينتظر انتهاءها كي يعود إلى العمل، بل باتت تفرض إعادة التفكير في بنية التعليم نفسها، وفي أدوار المعلم والمتعلم والمؤسسة والإعلام والتكنولوجيا.
وقد عكس برنامج المؤتمر هذا الاتساع، إذ لم يكتفِ بتشخيص المشكلات، بل حاول الانتقال من سؤال «ماذا يحدث للتعليم في زمن الأزمة؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف نعيد بناء التعليم ليصبح قادراً على الصمود والتكيف والتجدد؟
وانطلق المؤتمر بالنشيد الوطني اللبناني، تلاه افتتاح شارك فيه عدد من الشخصيات الأكاديمية والتربوية والثقافية والإعلامية، بينهم مدير المعهد اللبناني لإعداد المربين في جامعة القديس يوسف روك العشي، رئيسة مركز تميم للدراسات والأبحاث آمال المصري، رئيسة جمعية L’Aurore هدى بزي، الدكتورة دوروتيه ميرارو، الدكتورة أسماء هلال ممثلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الأول بوجدة، مدير إذاعة لبنان محمد غريب، الأمين العام للمدارس الكاثوليكية في لبنان الأب الدكتور يوسف نصر، رئيس جامعة الكفاءات البروفسور نمر فريحة، سفير جمهورية الهند في لبنان محمد نور رحمان شيخ، إلى جانب ضيف شرف المؤتمر الدكتور طلال أبو غزاله.
من الذكاء الاصطناعي إلى المواطنة... التعليم أمام تحولات كبرى
في الجلسة الافتتاحية، تمحور النقاش حول التربية في زمن التحولات الكبرى: الذكاء الاصطناعي، البحث العلمي، القيادة التربوية والمواطنة، في مقاربة جمعت بين مستقبل مهنة التعليم، ودور البحث العلمي في صناعة القرار، والقيادة المدرسية القادرة على الاستجابة للأزمات، وتعزيز التربية على المواطنة.
وتوالت بعدها الجلسات لتفتح ملفات التعليم عن بعد والتعلم المدمج، بناء الذات والمواطنة، الموسيقى كوسيلة لبناء الانتماء، الإرشاد بالفن، والتجديد البيداغوجي، وصولاً إلى الإعلام ودوره في خدمة التربية والمواطنة.
وفي محور «الإعلام في خدمة التربية والمواطنة: نحو رؤية وطنية متجددة»، برزت الحاجة إلى إعلام لا يكتفي بنقل الخبر التربوي، بل يتحول إلى شريك في صناعة الوعي، وفي ترسيخ المواطنة والمسؤولية العامة والنهوض الوطني.
كما حضر البعد الفرنكوفوني بقوة من خلال جلسة خصصت لتكوين المعلمين في زمن التحولات التربوية، ومرافقة الكتابة الأكاديمية في عصر الذكاء الاصطناعي، وإعداد معلمي اللغة الفرنسية، والانسجام الاجتماعي والتجديد البيداغوجي في المغرب.
ولم تغب قضية العدالة الاجتماعية عن المشهد، إذ ناقش المؤتمر الابتكار الاجتماعي وإدارة الموارد التعليمية، والعدالة التربوية في ظل الأزمات والحروب، وبناء الكفايات، والانتقال نحو مدرسة مرنة قادرة على التكيف.
اليوم الثاني... المعلم في قلب الأزمة
في اليوم الثاني، انتقل النقاش بصورة أكثر مباشرة إلى المدرسة اللبنانية في مواجهة الأزمات، والتعلم المدمج، ومستقبل التربية، والتعليم الدامج، قبل الوصول إلى محور شديد الصلة بالواقع اللبناني: المعلم في قلب التحولات التربوية: المرونة، الجودة والابتكار.
وهنا خرج النقاش من الصورة التقليدية للمعلم باعتباره ناقلاً للمعلومة، ليظهر بوصفه إنساناً يعيش الأزمة نفسها التي يُطلب منه أن يساعد طلابه على تجاوزها.
فقد تناولت المداخلات الاحتراق الوظيفي وعلاقته بجودة التعليم، والتعلم المدمج كنموذج للمرونة عند تعطل الدراسة، والقيادة التربوية، والتدريس تحت وطأة الحرب والسلامة النفسية والمهنية، إضافة إلى الضغط النفسي الذي قد يرافق التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
ومن أبرز الأفكار التي برزت في هذا المحور أن المرونة المؤسسية لا يمكن أن تقوم من دون معلم مؤهل ومدعوم؛ فالمعلم لا يستطيع أن يمنح طلابه الإحساس بالأمان والاستقرار إذا كان هو نفسه يعيش الخوف والقلق وعدم اليقين من دون سند مؤسسي.
وقد عكست دراسة حول التدريس تحت وطأة الحرب ورفاهية أعضاء هيئة التدريس وفعالية التعليم في لبنان هذه الإشكالية، من خلال الربط بين ضغوط الحرب، ورفاه المعلم، وفعالية التدريس، والدعم الذي تقدمه المؤسسة.
وأظهرت النتائج التي عُرضت أن الضغوط المرتبطة بالحرب يمكن أن تنعكس سلباً على فعالية التدريس، فيما يرتبط الدعم المؤسسي بصورة إيجابية بقدرة المعلم على الاستمرار في أداء دوره. وكان من أبرز الاستنتاجات أن الصمود لا يعني أن الإنسان لا يتعب، بل أن يواصل رغم التعب، من دون أن يُطلب منه أن يواجه وحده.
المرونة التعليمية... من خطة طوارئ إلى ثقافة دائمة
ومن داخل النقاش حول الأزمات، طُرح نموذج متكامل للمرونة التعليمية يقوم على ثلاث مراحل: الاستعداد قبل الأزمة، الاستجابة أثناءها، والتعافي بعدها.
فالاستعداد لا يبدأ عند وقوع الحرب أو إغلاق المدرسة، بل يبدأ مسبقاً عبر بناء البنية الرقمية، تدريب المعلمين بصورة مستمرة، وضع خطط لاستمرارية التعليم، تحديد قنوات بديلة للتواصل مع الأهالي، وتوزيع الأدوار والمسؤوليات بوضوح.
أما في لحظة الأزمة، فتبرز الحاجة إلى تفعيل التعليم المدمج والمرن بسرعة، والحفاظ على التواصل اليومي مع الطلاب، وتبسيط أدوات التقييم، والتركيز على المهارات الأساسية، إلى جانب المتابعة الفردية للطلاب الذين يعجزون عن الوصول المنتظم إلى التعليم.
وفي مرحلة ما بعد الأزمة، لا تنتهي المهمة بالعودة إلى المدرسة، بل تبدأ عملية تشخيص الفجوات التعليمية، ووضع خطط تعويضية، وتوثيق الدروس المستفادة، وتحويل الأدوات الرقمية التي استُخدمت بصورة طارئة إلى ممارسات تعليمية مستدامة.
وهنا برز تحول أساسي في وظيفة المعلم: من ناقل للمعلومات إلى ميسّر للتعلم وشريك في صناعة القرار التربوي.
المعلم ليس رقماً في منظومة الأزمة
من أكثر المحاور الإنسانية التي طبعت المؤتمر، تلك التي تناولت التجربة النفسية والمهنية للمعلم خلال الحرب.
فقد عُرضت تجارب واقعية عن مدرسين اضطروا إلى متابعة تعليمهم وسط الخوف والقلق، بل وتقديم الدروس من أماكن غير اعتيادية، في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت، والقلق على العائلة والأولاد، وضغط المسؤوليات المهنية.
لكن إحدى أكثر الصور دلالة كانت في العلاقة بين المعلم والإدارة: «إنتِ منيحة؟»، أو عبارة «سلامتكن أولويتنا».
فالدعم المؤسسي، كما طُرح، لا يعني فقط توفير جهاز أو منصة أو جدول بديل، بل أن تشعر المؤسسة بأن الإنسان الذي يقف أمام الطلاب هو أيضاً إنسان يحتاج إلى من يسأل عنه.
الذكاء الاصطناعي... أداة للتجدد لا باباً جديداً للضغط
ولم يكن ممكناً عقد مؤتمر عن التجديد التربوي من دون التوقف طويلاً عند الذكاء الاصطناعي.
وقد اتجه النقاش بعيداً عن ثنائية «مع الذكاء الاصطناعي أو ضده»، نحو سؤال أكثر واقعية: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي من دون أن نخسر الإنسان؟
فالتكنولوجيا تستطيع أن تساعد المعلم والإداري والباحث والإعلامي، لكنها لا تلغي الحاجة إلى التفكير النقدي، والقرار الأخلاقي، والتواصل الإنساني، وفهم السياق.
كما طُرحت مسألة الضغوط الجديدة التي قد تنتج عن التحول الرقمي: الخوف من فقدان الوظيفة، الضغط المستمر لتعلم أدوات جديدة، تمدد ساعات العمل، تداخل الحياة المهنية والشخصية، وتحول التكنولوجيا من وسيلة لتخفيف العبء إلى وسيلة لإنتاج عبء إضافي إذا أسيء استخدامها.
ومن هنا جاءت الدعوة إلى أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة تمكين لا أداة استبدال، وأداة دعم لا مصدراً إضافياً للاستنزاف.
من المعرفة إلى الممارسة... ومن المواطنة إلى الأثر
في محور التربية المتجددة، برز مفهوم المواطنة المستدامة الذي يتجاوز معرفة الحقوق والواجبات إلى تحويل المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى أثر، والأثر إلى استدامة وتجدد.
وهذه الرؤية تضع التربية على المواطنة والتنمية المستدامة والمرونة التعليمية ضمن مسار واحد، بحيث لا يبقى المتعلم متلقياً للمعلومة، بل يصبح قادراً على المبادرة والمشاركة وإنتاج أثر حقيقي في مجتمعه وبيئته.
كما ناقش المؤتمر أنسنة التعليم زمن الأزمات، بناء شخصية المعلم وتعزيز مواطنته، واستثمار الذكاء الاصطناعي في تشكيل خبرات المتعلم.
التربية والإعلام... جبهة واحدة في مواجهة التطرف وخطاب الكراهية
وفي موازاة التكنولوجيا، كان للإعلام حضوره بوصفه قوة تربوية ومجتمعية.
فالمداخلات والتوصيات شددت على أهمية إدماج التفكير النقدي والثقافة الإعلامية والرقمية في التعليم، وتدريب المعلمين والأساتذة على مواجهة خطاب الكراهية وعدم التسامح، وتعزيز الأنشطة التي تفتح المجال أمام الحوار بين مكونات المجتمع.
وفي هذا السياق، برزت فكرة أساسية: التطرف لا يبدأ عندما تظهر نتائجه، بل يبدأ في وقت أبكر، عندما لا يتعلم الإنسان كيف يفكر، وكيف يقبل الاختلاف، وكيف يرى التنوع أساساً للتعايش لا سبباً للصراع.
كما دعت المداخلات إلى بناء شراكات أكثر فاعلية بين المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام، وإلى إعلام لا يكتفي بتغطية قضايا التربية، بل يساهم في شرح التحولات التعليمية، وتعريف المجتمع بطرق التعلم الجديدة، ومواكبة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وربط المدرسة والجامعة بالمجتمع وسوق العمل.
البحث العلمي من الورقة إلى الشراكة
ومن النقاط اللافتة في المؤتمر، الدعوة إلى عدم التعامل مع البحث العلمي باعتباره ورقة تُكتب ثم تنتهي مهمتها، بل باعتباره مشروعاً معرفياً قابلاً للتحول إلى دراسة ميدانية وشراكة طويلة الأمد.
وقد عكست المشاركات البحثية اللبنانية والعربية والدولية هذا الاتجاه، مع حضور لأبحاث من جامعات ومؤسسات تربوية مختلفة، إضافة إلى الإشارة إلى صعوبات الباحثين في مناطق الأزمات، ولا سيما غزة، وإلى أهمية بناء شراكات بحثية عربية تتجاوز حدود المؤتمر نفسه.
وطُرحت فكرة تطوير إدارة للبحث العلمي تعمل على مشاريع تمتد لأشهر، وتنتج دراسات تطبيقية يمكن أن تخدم المؤسسات التعليمية وصناع القرار، بدلاً من الاكتفاء بالنشر الأكاديمي المنفصل عن الواقع.
العربية بين الأصالة والذكاء الاصطناعي
وفي الجلسة المخصصة للغة العربية، انتقل النقاش إلى العلاقة بين اللغة والتحول الرقمي، من التداولية العربية وتحديات الذكاء الاصطناعي، إلى بناء الهوية اللغوية في الطفولة المبكرة، والتحول من المعجم الورقي إلى الإلكتروني، وتعليم العربية في ظل «الغزو الرقمي»، ودور الذكاء الاصطناعي في تعليم اللغة.
وهنا ظهر التجديد لا باعتباره قطيعة مع التراث، بل محاولة للحفاظ على الهوية اللغوية مع تطوير أدوات استخدامها وتعليمها ونشرها في العصر الرقمي.
نحو تعليم لا يترك أحداً خلفه
وشملت أعمال المؤتمر كذلك التعليم الدامج، والترتيبات التيسيرية للطلاب ذوي الإعاقة في الجامعات، والمرونة النفسية وتنظيم الجهاز العصبي، وبرامج التدخل مع الأطفال المتضررين من الحرب، والتربية على المعنى وتأطير الغاية الوجودية.
وهو ما أعطى المؤتمر بعداً إنسانياً واضحاً: فالتعليم المرن ليس فقط التعليم الذي يستطيع الاستمرار في الحرب، بل التعليم الذي يحافظ على الإنسان داخل العملية التعليمية، ويحمي حقه في التعلم والكرامة والانتماء والمشاركة.
مخرجات تتجاوز يومي المؤتمر
وفي ختام الأعمال، اتجهت التوصيات إلى مجموعة من المسارات العملية، أبرزها ترسيخ مفهوم المواطنة المستدامة، وتعزيز التكامل بين التربية والإعلام، وإكساب المتعلم والجمهور مهارات التفكيك الإعلامي والتعامل الواعي مع الأخبار الزائفة والتدفقات المعرفية، وتفعيل دور التربية والإعلام في مكافحة خطاب الكراهية وتعزيز السلم المجتمعي.
كما برزت الدعوة إلى تعزيز مرونة المؤسسات التعليمية في أوقات الطوارئ والحروب، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بصورة واعية مع صون العنصر البشري، والعمل على صياغة ميثاق يحمي الهوية الرقمية والملكية الفكرية، وإطلاق برامج تدريب مستمرة للمعلمين والإعلاميين في القيادة والتخطيط وإدارة الأزمات، مع التشديد على الحقوق المهنية والمالية للكوادر البشرية.
ومن المخرجات التي كانت مطروحة في برنامج المؤتمر أيضاً إعداد دليل سياسات تربوية مرنة لمواجهة الأزمات، وبناء شبكة تعاون بين المؤسسات المشاركة لتبادل الخبرات والمشاريع، وإطلاق برامج تدريبية للمعلمين والإداريين حول التعليم المرن وإدارة الأزمات.
كما يتضمن مسار المؤتمر نشر الأبحاث المقبولة والمحكّمة، وفق البرنامج المعلن، بما يمدّ جسور المؤتمر إلى ما بعد يوميه، ويمنح الأبحاث فرصة للتحول إلى إنتاج معرفي قابل للتداول والاستفادة.
ريما يونس... حين تتحول فكرة التجديد إلى مشروع عمل
وفي قراءة شاملة للمؤتمر، يصعب فصل النتائج التي خرج بها عن الدور الذي اضطلعت به الدكتورة ريما يونس في جمع هذه المسارات تحت سقف واحد.
فالمسألة لم تكن مجرد مؤتمر يضم عدداً كبيراً من الأوراق والمداخلات، بل محاولة لبناء مساحة تلتقي فيها التربية بالإعلام، والبحث العلمي بالممارسة، والتكنولوجيا بالإنسان، والمواطنة بالمسؤولية، والأزمة بفكرة الاستعداد قبل وقوعها.
ومن خلال رئاسة الجمعية اللبنانية للتجديد التربوي والثقافي الخيرية ALREC LIBAN ورئاسة المؤتمر، جمعت يونس شركاء من مؤسسات أكاديمية وتربوية لبنانية وعربية ودولية، وفتحت المنصة أمام تجارب متنوعة، من المدرسة اللبنانية والجامعة إلى البحث العلمي والإعلام والذكاء الاصطناعي والصحة النفسية والتعليم الدامج. وتؤكد المواد المنشورة حول المؤتمر أن رئاسة يونس للمؤتمر جاءت ضمن تعاون مع ILE–USJ ومركز تميم للدراسات والأبحاث ومركز التدريب المستمر في اليسوعية، مع مشاركة جامعة محمد الأول بوجدة ضمن البرنامج.
واللافت في تجربتها أن مفهوم «التجديد» لم يظهر في المؤتمر كشعار نظري، بل كمنهج عمل: أن نراجع ما اعتدنا عليه، أن نتعلم من الأزمات، أن نحول التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى تدريب، والتدريب إلى قدرة على الاستجابة.
وهذا المسار ينسجم أيضاً مع نشاطات أخرى موثقة للجمعية برئاسة يونس في مجالات التدريب والإشراف التربوي والتأهيل الرقمي والتعلم ودعم المتعلمين، ما يجعل المؤتمر جزءاً من مسار أوسع لا حدثاً منفصلاً.
وفي بلدٍ اعتاد أن يتعلم تحت الضغط، وأن يفتح مدارسه وجامعاته في وجه الأزمات قبل أن يجد لها حلولاً، تأتي قيمة هذا المؤتمر من نقل النقاش من منطق ردّ الفعل إلى منطق الاستعداد، ومن انتظار انتهاء الأزمة إلى بناء منظومة تستطيع أن تستمر رغمها.
التوصيات
انطلاقاً من الأبحاث والمداخلات والتجارب التي عُرضت خلال المؤتمر، أوصى المشاركون بما يأتي:
1. المرونة واستمرارية التعليم
إعداد خطط وطنية ومؤسسية مسبقة لاستمرارية التعليم في الحروب والطوارئ والأزمات.
اعتماد التعليم المدمج والمنصات الرقمية كجزء مستدام من المنظومة التعليمية.
تطوير البنية التحتية الرقمية وبدائل التواصل والتعليم في حالات التعطّل.
2. المعلم والقيادة التربوية
اعتماد التدريب المهني المستمر للمعلمين في إدارة الأزمات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
إشراك المعلمين في صناعة القرار وتصميم خطط الطوارئ.
توفير الدعم النفسي والمهني وحماية الحقوق المالية والمهنية للكوادر التعليمية.
تطوير برامج لإعداد القيادات التربوية القادرة على إدارة الأزمات والتغيير.
3. الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي
وضع أطر أخلاقية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي.
تدريب المعلمين والمتعلمين على الاستخدام الواعي والنقدي للتقنيات الحديثة.
اعتماد الذكاء الاصطناعي أداةً للتمكين والدعم، مع الحفاظ على الدور الإنساني للمعلم.
حماية الهوية الرقمية والملكية الفكرية والنزاهة الأكاديمية.
4. المواطنة والتماسك المجتمعي
الانتقال من تعليم الحقوق والواجبات إلى المواطنة المستدامة القائمة على المشاركة والمبادرة وإحداث الأثر.
إدماج قيم الحوار وقبول التنوع والتفكير النقدي في المناهج والأنشطة.
تعزيز التربية على التعايش والسلم الأهلي والمسؤولية المجتمعية.
5. الإعلام والتربية
بناء شراكات فاعلة بين المؤسسات الإعلامية والتربوية.
تعزيز التربية الإعلامية والرقمية ومهارات التحقق من المعلومات ومواجهة الأخبار الزائفة.
تدريب المعلمين والمتعلمين على مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز ثقافة الحوار.
تفعيل الإعلام التربوي في مواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية والاجتماعية.
6. البحث العلمي والشراكات
ربط نتائج الأبحاث باحتياجات الواقع التربوي وصناعة القرار.
دعم الدراسات الميدانية والمشاريع البحثية طويلة الأمد.
توسيع التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات التربوية محلياً وعربياً ودولياً.
تحويل المؤتمرات العلمية إلى منصات مستدامة للشراكة وتبادل الخبرات.
7. الصحة النفسية والتعليم الدامج
إدراج الدعم النفسي والاجتماعي ضمن خطط الاستجابة للأزمات.
رصد الاحتراق الوظيفي والضغوط النفسية لدى المعلمين والمتعلمين والتدخل المبكر.
ضمان حق الطلاب ذوي الإعاقة والفئات الأكثر هشاشة في التعليم، ولا سيما خلال الأزمات.
تعزيز العدالة في الوصول إلى الموارد التعليمية والتكنولوجيا.
آلية المتابعة
يوصي المؤتمر بتحويل هذه التوصيات إلى خطة عمل قابلة للتنفيذ والقياس، من خلال تشكيل لجنة متابعة، ووضع برنامج زمني ومؤشرات أداء، وإصدار تقارير دورية حول الإنجاز، وتطوير مشاريع تدريبية وبحثية مشتركة بين المؤسسات المشاركة.
الرسالة الختامية
التجديد التربوي ليس مجرد إدخال أدوات جديدة إلى التعليم، بل بناء منظومة قادرة على الاستعداد للأزمات، والاستمرار خلالها، والتعلم منها؛ منظومة تضع الإنسان في قلب العملية التعليمية، وتجعل التكنولوجيا في خدمته، وتحول المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى أثر، والأثر إلى استدامة.
وفي النهاية، ربما تختصر الفكرة الأساسية للمؤتمر كلها بجملة واحدة:
التعليم المستدام ليس هو التعليم الذي لا يتأثر بالأزمات، بل التعليم الذي يعرف كيف يتغيّر عندما تتغيّر الحياة، من دون أن يفقد الإنسان الذي من أجله وُجد.













































Social Plugin