النهار
إذا كانت جلسة مناقشة الحكومة في مجلس النواب على مدى اليومين السابقين انتهت إلى حصول حكومة الرئيس نواف سلام على رقم قياسي بنيلها الثقة للمرة الثالثة، وسط مشهد سياسي داخلي مأزوم بما أظهر ثبات الحكومة وازدواجية أو عجز معارضيها عن هزّ غالبيتها، وتالياً العجز عن إسقاطها، فإن العوامل الخارجية المؤثرة في الأزمات اللبنانية الراهنة تعود بقوة إلى الواجهة اليوم مع انعقاد الاجتماع التحضيري في باريس لمؤتمر دعم الجيش والقوى المسلحة في لبنان.
اجتماع باريس
هذا الحدث يشدّ الأنظار تكراراً إلى الإصرار الذي يطبع سياسات فرنسا بعدم التخلي إطلاقاً عن الاضطلاع بدورها ومبادراتها المتواصلة تجاه لبنان، رغم المحاولات المكشوفة لإزاحتها وتهميش دورها. ولذا، ومع أن الاجتماع التحضيري اليوم لن يكون إطاراً لجمع المساعدات للجيش وحشدها وبرمجتها بل لوضع خطة تفصيلية بالحاجات الأساسية، فإن الدلالات السياسية والديبلوماسية كما العسكرية للاجتماع ستكون على جانب كبير من الأهمية، بدليل أن الولايات المتحدة الأميركية والسعودية خصوصاً ستتمثلان فيه بشخصيات عسكرية وديبلوماسية بارزة.
وإذ خصّ رئيس أركان الجيوش الفرنسية الجنرال فابيان ماندون مراسلة "النهار" رندة تقي الدين بحديث مسهب عن اجتماع باريس اليوم (راجع الحديث ص 4)، تبدأ اجتماعات باريس بلقاءين ثنائيين بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وكل من الرئيس اللبناني جوزف عون والعاهل الأردني الملك عبدالله بن الحسين، ومن ثم يعقد لقاء ثلاثي قبل أن يفتتح الزعماء الثلاثة اجتماع قادة الأركان وممثلي الدول الـ17 المشاركة وعدد من المنظمات الدولية في الانفاليد. وتكتسب لقاءات باريس هذه أهمية خاصة، ليس فقط لأنها مخصصة لدعم الجيش اللبناني، بل لأنها تنعقد في مرحلة مفصلية تتداخل فيها ثلاثة ملفات أساسية: تعزيز قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وتحديد مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "اليونيفيل" نهاية العام، وتوفير الشروط الأمنية والسياسية لتثبيت الاستقرار على جانبي الحدود اللبنانية- الإسرائيلية.
والهدف الأساسي، وفق الرئاسة الفرنسية، هو وضع خطة واضحة وقابلة للتنفيذ لانتشار الجيش اللبناني، وتحديد احتياجاته من تدريب وتجهيز وتمويل واستخبارات ومواكبة دولية. وبالتالي، لا تريد باريس أن يكون الاجتماع مؤتمراً جديداً للتعهدات المالية، بل اجتماعاً تحضيرياً يضع الأسس التقنية والعسكرية لدعم الجيش في المرحلة المقبلة.
رئيس الجمهورية العماد جوزف عون الذي وصل أمس إلى باريس استعداداً لمشاركته في اجتماعات اليوم، أعرب عن "تقديره العميق لفرنسا، رئيساً وحكومة وشعباً، على مواصلة دعمها للبنان ومؤسساته الدستورية والعسكرية والأمنية، مؤكداً أن هذه الشراكة التاريخية بين البلدين تكتسب اليوم أهمية استثنائية في ظل التحديات التي يواجهها لبنان". وشدّد على أن الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي يشكّلان، مع الأجهزة الأمنية الأخرى، الضمانة الوحيدة لحماية الوطن وسيادته وأمن مواطنيه، وأن تعزيز قدراتهما البشرية واللوجستية بات أولوية وطنية قصوى تتطلب تضافر الجهود الدولية الصديقة للبنان.
وختم الرئيس عون بالتأكيد أن مشاركته في الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي الذي تستضيفه فرنسا لدعم الجيش وقوى الامن الداخلي، تندرج في إطار التزام الدولة اللبنانية ببسط سلطتها وحصر السلاح بيد الشرعية، وبناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها وصون استقرار المنطقة.
وزار عون بعيد وصوله الملك عبدالله في مقر إقامته وشكره على الدعم الذي قدمه الأردن للجيش اللبناني وعرضا العلاقات الثنائية.
جلسة مناقشة الحكومة
وسط هذه الأجواء، انتهت جلسة مناقشة الحكومة مساء أمس، بعدما تحدث فيها 59 نائباً وشكّلت مداخلات اليوم الثاني امتداداً سياسياً لليوم الأول مع تسجيل جولات عدة من السجالات والشجارات، خصوصاً بين نواب "حزب الله" والنواب في الكتل المناهضة للحزب حول موضوع السلاح والحرب، إذ أظهر نواب الحزب منسوباً مرتفعاً من التوتر. فعند مداخلة النائب ميشال معوض، اندلع سجال حاد بينه وبين نواب "حزب الله"، ولا سيما إيهاب حمادة، قبل أن يدخل زياد حواط على خطه. وارتفعت حدّة الكلام بعدما اتّهم حمادة خصومه بالكذب، فيما ردّ حواط معتبراً أن الكلام يطال الجميع، وطالباً من نواب الحزب وقف العنتريات ليتطور الأمر إلى تبادل اتهامات داخل القاعة وتدخلات نيابية حالت دون استمرار السجال.
كما احتدم النقاش لاحقاً بين النائب وضاح الصادق والنائب حسين الحاج حسن على خلفية كلام عن الجهة التي "تقدم الهدايا لإسرائيل". وتبادل الطرفان عبارات حادة، واتهامات متبادلة بالعمالة قبل أن يتدخل بري لحسم السجال. كما نشب سجال حاد للغاية بين النائبين حسين الحاج حسن وأشرف ريفي.
وردّ رئيس الحكومة نواف سلام في نهاية المداخلات على كلمات النواب، فشدّد على العمل لتجنّب الخيبات من الحكومة، وتناول الاتفاق الإطار الثلاثي وكرّر أنه اتفاق إطاري وليس اتفاقاً أو معاهدة بالمعنى القانوني، ونفى خروج لبنان عن القرارات الدولية وعن ثوابت لبنان منذ عقود. وقال إن الحكومة تمضي في توثيق الاعتداءات الإسرائيلية، وشدّد على بسط سلطة الدولة وحدها على أراضينا لحشد المزيد من الدعم العربي والدولي.
وأكد سلام أن الحكومة ترفض أن يكون لبنان ساحة لصراعات المحاور ورفض زجّ البلاد تكراراً في الحروب ووضع حد لمنطق التبعية، وفنّد المساعدات والاستجابة الإنسانية خلال الحرب. وردّ على الانتقادات في ملفات الكهرباء والاتصالات وسواها، مشدداً على التزامات الحكومة.
وفي النهاية قدّم النائب جبران باسيل مداخلة طلب فيها طرح الثقة بالحكومة، فطلب بري التصويت وكانت الحصيلة نيل الحكومة ثقة متجددة بغالبية 68 نائباً و12 نائباً لا ثقة وامتناع صوتين، بما كرّس فوز الحكومة للمرة الثالثة.
ملف المرفأ
في سياق داخلي آخر، تردّدت أصداء المعلومات عن اتّجاه إلى توجيه اتهام إلى الرئيس السابق ميشال عون في مطالعة النيابة العامة في ملف التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت. وفي أول ردّ فعل له، كتب الرئيس ميشال عون على حسابه على منصة "أكس":"احتراماً لدماء الشهداء، وصوناً للحقيقة والعدالة، تقدّمت اليوم بشكوى جزائية بجرائم "اختلاق الأضاليل والافتراء وإفشاء سرّية التحقيق..."، على خلفية نشر أخبار تضمّنت مزاعم بشأن مضمون مطالعة النائب العام التمييزي في قضية انفجار مرفأ بيروت"

Social Plugin