مواكب وهمية ومحطات سرية... أين يوجد بوتين فعلًا؟



لم تعد حماية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تقتصر على المواكب والحراسة المشددة، بل تطورت، وفق تقارير صحافية، إلى منظومة واسعة من التضليل الأمني تشمل قطارًا خاصًا ومحطات لا تظهر على الخرائط ومكاتب متطابقة وانقطاعات في شبكات الاتصالات، وصولًا إلى استخدام مواكب وهمية لإرباك كل من يحاول تتبع مكانه.



وبحسب تقرير نشرته "N12" الإسرائيلي، استنادًا إلى تحقيق موسع لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن العملية السرية التي نفذتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإخفاء عملية تبديل طائرته على الأراضي التركية تبدو تفصيلًا صغيرًا مقارنة بمستوى السرية الذي يحيط بتحركات بوتين.



وكانت الخطوة الأميركية قد أثارت اهتمامًا واسعًا بعدما جرى إخفاء تبديل طائرة ترامب على مدرج في تركيا خلال قمة حلف شمال الأطلسي في تموز، إلا أن الصحافي الاستقصائي الروسي ميخائيل روبين علّق على المقارنة بالقول: "مقارنة بروسيا، هذه لعبة أطفال".



ووصل مستوى الغموض حول تحركات بوتين إلى حد أن صحافيين روسًا حاولوا تحديد توقيت اجتماعاته الفعلي من خلال مراقبة حالة النباتات داخل مكتبه.



وخلال هذا العام، تابع عدد من الصحافيين تسلسل الاجتماعات التي بثها التلفزيون الرسمي، بعدما لاحظوا أن درجة ذبول أوراق النباتات في الغرفة كانت تتغير بطريقة بدت غير منطقية، ما دفعهم إلى الاعتقاد بأن الاجتماعات لم تُعقد في الأيام أو بالترتيب الذي أعلنه الكرملين.



وبالنسبة إلى بوتين، فإن هذا النوع من التضليل لا يُعد استثناءً، بل جزءًا من المنظومة المعتمدة لإخفاء موقعه وتحركاته.



ومن أبرز الأساليب التي كُشف عنها إنشاء مكاتب شبه متطابقة داخل عدد من مقار إقامة الرئيس الروسي، بما يتيح تصويره خلال الاجتماعات من دون أن يتمكن المشاهدون من معرفة المكان الفعلي الذي يوجد فيه.



كما تشير تقارير وتحليلات لصور الأقمار الاصطناعية إلى أن منظومة حمايته طورت قطارًا رئاسيًا خاصًا، إلى جانب خطوط سكك حديدية ومحطات سرية بالقرب من 3 على الأقل من مقار إقامته المنتشرة في روسيا، في أسلوب يشبه إلى حد بعيد طريقة تنقل زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون.



ولا تقتصر السرية على وسائل النقل، إذ يُطلب من المسؤولين الحكوميين المشاركين في اجتماعات بوتين الالتزام بالمنظومة نفسها.



وتبقى الاجتماعات سرية إلى حين بثها عبر التلفزيون، وأحيانًا لا تظهر إلا بعد أسابيع من عقدها، ثم تقدم كما لو أنها جرت في اليوم نفسه الذي عُرضت فيه.



وقالت الصحافية الروسية فريدة روستاموفا، التي تغطي شؤون الكرملين من المنفى: "في روسيا، الأكاذيب الرسمية بشأن مكان وجود الرئيس هي مجرد يوم ثلاثاء عادي".



وأوضحت روستاموفا أن المشاركين في الاجتماعات المصورة مع بوتين يتحدثون أحيانًا عن أحداث أصبحت قديمة أصلًا عند بث اللقاء، كما يظهر بعضهم أحيانًا بملابس أو تسريحات شعر لا تتطابق مع ظهورهم العلني في الفترة نفسها.



وقد ابتكر الصحافيون الروس تسمية خاصة لهذه الاجتماعات التي تُبث متأخرة، وهي "كونسيرفي"، أي "المعلبات".



وكُشف جانب آخر من حجم الجهود المبذولة لإخفاء تنقلات بوتين في منطقة بحيرة فالداي، حيث يوجد أحد مقار إقامته.



ففي عام 2021، لاحظ سكان المنطقة إنشاء خط سكة حديد غامض يتجه نحو مجمع الرئيس، فيما أظهرت صور الأقمار الاصطناعية محطة جديدة تضم مهبطًا للمروحيات، لكنها لا تظهر في جداول مواعيد القطارات أو على الخرائط الرسمية.



وفي عام 2023، قال منشق عن جهاز الحماية الفيدرالي الروسي "FSO" إن بوتين يستخدم السفر بالقطارات لتجنب المراقبة.



كما أشارت وثائق مسربة إلى وجود قطار مدرع سري بُني لصالح مكتب الرئيس، وصُمم من الخارج ليبدو كقطار ركاب عادي، لكنه يحتوي في داخله على صالة رياضية ومنتجع صحي ووسائل اتصالات خاصة.



وبحسب الوثائق، استخدم بوتين نفسه هذا القطار.



ويُعتقد أن اهتمام الرئيس الروسي بالسرية والأمن ازداد بصورة كبيرة خلال جائحة كورونا.



ففي تلك الفترة، طُلب من المسؤولين دخول حجر صحي لمدة أسبوعين قبل السماح لهم بلقاء بوتين، وهو إجراء ساهم أيضًا في تسهيل إخفاء موقعه الحقيقي.



ومنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، وصلت هذه المنظومة إلى مستويات جديدة.



ومع استمرار الحرب وتوغل الطائرات المسيّرة الأوكرانية بصورة أعمق داخل الأراضي الروسية، شهدت بعض المناطق اضطرابات في شبكة الإنترنت الخلوي، فيما أشارت تقارير إلى أن هذا الواقع فرض قيودًا إضافية على تحركات بوتين.



حتى المواكب الرئاسية الضخمة التي تعبر شوارع موسكو بسرعة عالية وتُعتبر عادة مؤشرًا إلى وجود الرئيس قد تكون، في بعض الأحيان، جزءًا من عملية التضليل.



وبحسب روستاموفا، يمكن أن تكون بعض هذه المواكب وهمية، وهدفها دفع من يتتبع تحركات بوتين إلى الاعتقاد بأنه موجود في مكان معين، بما يزيد من صعوبة تحديد موقعه الحقيقي.



كما قال مصدر مقرب من الكرملين في موسكو إنه سمع الادعاء نفسه.



وكان روبين، الذي يقيم حاليًا في كارولاينا الشمالية ويشغل منصب نائب رئيس تحرير موقع "بروجيكت"، قد كشف منذ عام 2020 أن بوتين يعمل من مكاتب ذات تصميم متطابق تقريبًا في مقرين مختلفين، أحدهما في ضواحي موسكو والآخر في منتجع سوتشي المطل على البحر الأسود.



وبحسب روبين، يتيح هذا الترتيب للكرملين تقديم معلومات مضللة بشأن المكان الذي يوجد فيه الرئيس.



وكشف تحقيق نُشر العام الماضي تفاصيل إضافية عن هذه الطريقة، بعدما رُصدت فروق صغيرة للغاية بين المكاتب التي تبدو متطابقة تقريبًا.



ومن بين هذه الاختلافات، مواقع مقابض الأبواب والتفاصيل الدقيقة في وصلات الجدران، وهي عناصر مكّنت الباحثين من التأكد من أن المشاهد المصورة تعود في الواقع إلى أماكن مختلفة.



وقال روبين إنه أدرك قبل نحو عقد، حين كان يغطي شؤون الكرملين لصالح صحيفة اقتصادية روسية، مدى عمق منظومة السرية المحيطة ببوتين.



وفي إحدى الحالات، شاهد مصادفة أعضاء في مجلس الأمن الروسي وهم يصلون إلى اجتماع، إلا أن مكتبه لم يُعلن عن الاجتماع إلا بعد أيام، وتم تقديمه حينها كما لو أنه حدث جديد.



وقال روبين عن بوتين: "صورته العامة مصطنعة، وهي كذبة كاملة من بدايتها حتى نهايتها".



إلا أن التضليل المحيط بتحركات الرئيس الروسي، بحسب روبين، لا يرتبط فقط بحمايته من المخاطر، بل يؤدي أيضًا وظيفة سياسية، عبر تعزيز صورة رئيس يبدو دائم النشاط والحضور والسيطرة.



وهكذا، فإن حماية بوتين لا تقوم فقط على إخفاء مكانه، بل على بناء واقع موازٍ يصعب فيه التمييز بين ما حدث فعلًا وما أراد الكرملين أن يبدو أنه حدث.




Whatsapp Channel https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h on telegram https://t.me/achrafieh_news all platforms Achrafieh News لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا