الميدل إيست.. عنوان كرامتنا الذي يحاولون تشويهه بمصالح تافهة



قلائلٌ هم الناقلون الجويون الذين يتجاوزون دورهم التجاري ليصبحوا شرياناً وطنياً لا ينبض إلا بحياة بلدهم؛ لكن شركة طيران الشرق الأوسط (MEA) استطاعت أن تحجز لنفسها هذا الموقع الاستثنائي. فهي ليست مجرد أسطول طائرات يرفع علم لبنان في أصقاع الأرض، بل هي الرافعة الوطنية والرمز الصامد الذي أبى الانكسار أمام العواصف. وفي أحلك الظروف التي عصفت بلبنان، ظلت “الميدل إيست” صمام الأمان الوحيد، والنافذة التي ترفض الانغلاق، مُثبتةً يوماً بعد يوم أنها أكثر من مجرد شركة طيران، يمكن القول بأنها شريان حياة يربط لبنان بالعالم رغم كل التحديات.

وانطلاقاً من هذه المكانة الرائدة، تواجه الشركة اتهاماتٍ وحملاتٍ ممنهجة تستند إلى رسائل من اتحاد نقابات الطيّارين الدوليين (IFALPA)، تطالب بوقف رحلات الشركة تحت حجّة “مخاطر الحرب”. ولعلّ المفارقة الأكثر دلالة هي انتقائية هذا الاتحاد، الذي غضّ الطرف عن المطارات في مناطق النزاع الأخرى، لا سيما في إسرائيل، مكتفياً بالتركيز على بيروت، مما يعزز فرضية وجود أجندات لا تمت بصلة لسلامة الطيران.

وفي سياق البحث عن الدوافع الحقيقية وراء هذه الحملة، تكشف الحقائق أنها ليست سوى صدى لخلافات داخلية محدودة بين إدارة الشركة وبعض الطيارين النقابيين. هؤلاء، وبعد تعرّضهم لإجراءات إدارية وتنبيهات جرّاء مخالفات تشغيلية، استغلوا صفاتهم النقابية لتوجيه شكاوى سرية، اتخذت من ذريعة الحرب غطاءً لتصفية حسابات شخصية. واللافت هنا، أن هذا التوجه لم يلقَ صدى لدى غالبية الطيارين اللبنانيين؛ فقد رفض عددٌ وازن من الكباتنة الانخراط في هذا المسار، مفضلين حماية مؤسستهم التي يعتاشون منها هم وعائلاتهم، وهو ما أدّى فعلياً إلى إلغاء الجمعية العمومية لنقابة الطيارين، التي حاول البعض استغلالها لفرض أجنداتهم، مدركين أن المساس بالميدل إيست هو مساسٌ بلقمة عيشهم.

لتتحول هذه “المصالح الضيّقة والتافهة” إلى تهديدٍ مباشر للبنان؛ فالسعي وراء تضخيم المخاطر لن يؤدي إلا إلى دفع شركات التأمين الدولية لرفع أكلافها، مما سينعكس سلباً على أسعار التذاكر ويرهق المسافرين، بدلاً من توجيه هذه الموارد لخدمة موظفي الشركة وطياريها.

بناءً على ما تقدم، فإن اعتبار هذه الحملة بمثابة “خيانة عظمى” ليس مبالغة، بل هو توصيف دقيق لمحاولةٍ لتقويض شريان حيوي للاقتصاد الوطني، وخاصةً عندما نرى رئيس مجلس إدارة الشركة، محمد الحوت، يؤكد ريادة “الميدل إيست” دولياً من خلال رئاسته لاجتماع تحالف “سكاي تيم” في البرازيل. وعليه فإن استمرارية عمل المطار بشكل طبيعي، وتنفيد 32 ألف رحلة خلال العام الماضي دون مشاكل، هو الردّ العملي على تلك الانتقادات. لذا، تبقى “الميدل إيست” أمانة في أعناق الجميع، ورمزاً لكرامة الوطن الذي يرفض الانعزال، وستظل دائماً الجسر المتين الذي يعبر من خلاله لبنان نحو العالم رغم كيد المتربصين.