النهار
مع أن معالم "عودة" الحرب التي أساساً ظلّت عالقة على نصف هدنة ونصف حرب حتى بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب من البيت الابيض الأسبوع الماضي تمديد وقف النار لثلاثة أسابيع، طغت على المشهد اللبناني المثقل بالاستحقاقات المفصلية المتعاقبة، فإنها لم تقف حائلاً دون الوقوف عند الذكرى الـ21 لانسحاب الجيش السوري ووصاية نظام بشار الأسد من لبنان في 26 نيسان 2005، والتي كانت محطة تاريخية من محطات انتفاضة اللبنانيين ضد تلك الوصاية التي كانت تقيم شراكة استراتيجية في إحكام احتلالها للبنان مع النفوذ الإيراني. وعلى أهمية ذاك الإنجاز التاريخي، يعيد إحياء ذكرى الانسحاب السوري إثارة ملف العلاقات اللبنانية السورية الحديثة التي لا تزال تجرجر ذيولها على رغم خطوات تحققت، ولكنها لا تزال دون المستوى الذي تفرضه الاستحقاقات الكبيرة لمعالجة ملفات مزمنة حدودية وأمنية واقتصادية كما ملف النازحين السوريين في لبنان. واتخذت الذكرى هذه أمس دلالات استثنائية إضافية في ظل "إنجاز" يؤمل اكتماله اكتمالاً شاملاً يتمثّل في تقاطع لبناني – أميركي تحقّق أخيراً بفصل المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية عن المسار التفاوضي الأميركي الإيراني، الأمر الذي انتزع من إيران كما من "حزب الله"، وبنسبة ساحقة على الاقل، القدرة على استباحة لبنان ديبلوماسياً وجعله ورقة نفوذ وتحكّم، وهو ما يوازي إنجازاً ضخماً نحو التخلص من وصاية موازية لوصاية النظام السوري البائد أمعنت في اختراق سيادة لبنان.
في غضون ذلك، بدا لبنان وكأنه يرزح تحت وقائع تنذر بانهيار الهدنة الهشّة الممددة وعودة الحرب على الغارب من بواباتها الجنوبية المشرّعة على تصعيد عسكري وميداني عنيف، تتبادل فيه إسرائيل و"حزب الله" الإطاحة تماماً بوقف النار. وإذ اقترنت العودة الخطيرة للعمليات الحربية مع تلويح إسرائيلي بالتوجّه نحو لقاء ثنائي بين الرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتصف أيار المقبل، علم أن مشاورات واسعة ستنطلق في بيروت بين أركان السلطة أي الرؤساء الثلاثة، وفي اتجاه القوى السياسية أيضاً لتمهيد الطريق لقرارات وصفت بأنها مفصلية يتعيّن على لبنان اتخاذها في صدد المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية. وإذ تنتظر بلورة الخطوات المقبلة التي رسمت عناوين عريضة لها في الجولة الثانية من محادثات السفيرين اللبناني والإسرائيلي في البيت الأبيض التي توّجت بلقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ذُكر أن مذكرة أميركية جديدة ستصدر عن الخارجية الأميركية متضمنة الاتجاهات المتجددة لوقف النار، على أن يلي ذلك تفعيل الاتصالات بين بيروت وواشنطن لتحديد الخطوات التالية خلال مهلة الثلاثة أسابيع للهدنة المتجددة. وبدا مثيراً للقلق المتصاعد ازدياد الاختراقات والانتهاكات المتبادلة لوقف النار جنوباً، بما يضع الهدنة على محكّ الخلفيات العميقة لكل من إسرائيل و"حزب الله"، كما يختبر بقوة الدفع الأميركي نحو إطلاق مسار المفاوضات الثنائية بين لبنان وإسرائيل
ولا يزال الحكم متريّثاً في اتخاذ قرارات تتصل بالخطوات المتصلة بالمسار التفاوضي قبل الاتفاق مع الجانب الأميركي على طبيعتها، كما في انتظار إجراء مشاورات وربما لقاءات بين الرؤساء الثلاثة في قابل الأيام، خصوصاً في ظل الأجواء التي أحدثتها مهمة الموفد السعودي إلى لبنان، والتي تركّزت على التشديد على التوافق الداخلي وعدم إضاعة فرصة المفاوضات بدفع أميركي في وقت واحد. ولكن في المقابل، بدأ الحديث في إسرائيل يتصاعد عن لقاء مفترض في واشنطن، إذ أفادت القناة 15 الإسرائيلية بأنّ نتنياهو سيزور واشنطن منتصف أيار للمشاركة في لقاء مع الرئيس جوزف عون، لافتةً إلى أنّ اللقاء مشروط باستمرار الهدنة.
ونفى مصدر رسمي لبناني تبلّغ لبنان أي شيء عن اللقاء الذي تحدثت عنه وسائل الإعلام الإسرائيلية أو حيال المسار التفاوضي. ولم يستبعد عقد لقاء تحضيري ثالث في واشنطن قبل انطلاق المفاوضات.
وبإزاء التحديات التي تواجهها الحكومة عند هذا المفترق المصيري، بدا لافتاً تشديد رئيس الحكومة نواف سلام أمس أمام الجمعية العمومية للمقاصد الإسلامية على القول: "كونوا على ثقة لن أتراجع عن أي موقف أو أي كلمة تحدثت بها سابقاً، مشروعنا واحد هو بناء الدولة، لا دولة إلا بجيش واحد وبقانون واحد، ولا أحد فوق القانون أو تحته أو بداخله أو خارجه. ببساطة الهدف الذي نسير به شكله بسيط، ولكن أنتم تعلمون الصعاب التي أمامنا، وأنا على ثقة بتضامننا سنتجاوز الصعاب وسننجح بمشروعنا".
أما معالم التصعيد الميداني والخشية من الانزلاق السريع الحاصل إلى عودة الحرب، فبرزت مع المواقف التي أعلنها نتنياهو من جهة، وتصعيد "حزب الله" لتهويله وتهديداته للسلطة اللبنانية من جهة مقابلة. واعتبر نتنياهو أن "حزب الله يقوّض اتفاق وقف النار في لبنان". وقال في مستهل الاجتماع الأسبوعي للحكومة: "يجب أن يكون مفهوما أن انتهاكات حزب الله تقوّض وقف إطلاق النار". وأشار إلى "حرية العمل" في الرد الإسرائيلي على الحزب في لبنان "وفقاً للاتفاق مع الولايات المتحدة ولبنان".
في المقابل، شنّ "حزب الله" هجوماً عنيفاً على السلطة اللبنانية، وإذ "حذّر بشدة من خطورة كلام نتنياهو لجهة محاولة توريط السلطة اللبنانية في اتفاق ثنائي حصل فقط بينه وبين واشنطن، ولم يكن للبنان أي رأي فيه أو موقف منه، وبالتالي فهو لم يوافق عليه"، قال: "ادّعت السلطة اللبنانية أن شرطها الأساسي في الذهاب إلى اجتماعها المشؤوم في واشنطن مع العدو هو المطالبة بوقف اعتداءاته وبدء انسحابه من أراضينا المحتلة، إلا أننا لم نسمع منها تصريحًا علنيًا وواضحاً يشترط ذلك، بل على العكس، ما صدر عن ممثلة لبنان هو فقط مديح بحق الرئيس الأميركي، شريك العدو في سفك دماء اللبنانيين، ما شجّع العدو على الاستمرار في اعتداءاته وخروقاته. ولقد أسقطت السلطة اللبنانية نفسها في مأزق خطير عندما اختارت أن تجمعها صورة واحدة مخزية مع ممثلي كيان غاصب لقيط يستبيح أرضها وسيادتها ويواصل قتل شعبها، والسير بمسارات تشرّع لهذا العدو اعتداءاته". وأضاف: "لن ننتظر أو نراهن على ديبلوماسية خائبة أثبتت فشلها، ولا على سلطة متخاذلة عن حماية وطنها، فأبناء هذه الأرض هم الضمانة الحقيقية في مواجهة هذا العدوان ودحر الاحتلال".
أما ميدانياً، فاشتعلت مناطق الجنوب بالغارات، وشنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارات على وسط بلدة زوطر الشرقية وأطراف النبطية الفوقا، وتزامنت مع قصف مدفعي مركّز طاول اطراف زوطر وميفدون وبلدة يحمر الشقيف، كما استهدفت غارات على دفعتين بلدة زوطر الغربية، وشنّت مسيّرة إسرائيلية غارة على دراجة نارية على طريق زوطر الشرقية وأفيد عن سقوط ضحية. ونفّذ الجيش الإسرائيلي عملية نسف كبيرة في بلدة الخيام، تزامنًا مع تفجيرات ضخمة باتجاه بلدة الطيبة وعيترون وبنت جبيل، وألقى مناشير في بلدة المنصوري- قضاء صور تتضمن لائحة بأسماء قرى محددة طلب من أهلها مغادرتها.
وعلى اثر ذلك، شهدت قرى جنوب الليطاني حركة نزوح كثيفة باتجاه مدينة صيدا، بالتزامن مع الإنذارات التي وجّهها الجيش الإسرائيلي لعدد من القرى. وجرى استهداف مقهى على دوار كفرتبنيت، وسط زحمة النزوح، وأُعلن سقوط ضحيتين ونحو 10 إصابات، تم نقلها إلى المستشفيات، اثنتان منها نُقلتا إلى مستشفى النجدة الشعبية في النبطية.
وشهد جسرا القاسمية البحري وبرج رحال الرئيسي حركة طبيعية لدخول السيارات وخروجها على الضفتين الجنوبية والشمالية. وكان الجسران شهدا ليلاً حركة خروج السيارات باتجاه شمال الليطاني بعد التهديدات الإسرائيلية ليل السبت والغارات التي شنّتها الطائرات الإسرائيلية على قرى قضاءي صور وبنت جبيل. وكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي:
"نجدد تأكيدنا أنه خلال فترة اتفاق وقف النار يواصل الجيش الإسرائيلي تمركزه في مواقعه بجنوب لبنان في مواجهة النشاطات الإرهابية المستمرة لمنظمة حزب الله. نعود ونحذر أنه وحرصًا على سلامتكم وسلامة أبناء عائلاتكم وحتى إشعار آخر، انتم مطالبون بعدم التحرك جنوب خط القرى المعروضة ومحيطه. كما لا يسمح بالاقتراب من منطقه نهر الليطاني ووادي الصالحاني والسلوقي

Social Plugin