في ظلّ استمرار النقاش حول مستقبل الأمن في الجنوب ودور الدولة في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، برز اليوم موقف أوروبي متقدم من بيروت، مع إعلان التحضير لإطلاق بعثة أوروبية جديدة لدعم الجيش والقوى الأمنية، بالتوازي مع تأكيد لبناني على قرار حصر السلاح بيد الدولة والمطالبة بإنهاء الوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية.
واستقبل وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية كايا كالاس، في لقاء تناول العلاقات بين لبنان والاتحاد الأوروبي، ومسار المفاوضات وأسباب التأخير في تنفيذ اتفاق الإطار.
كما تطرق البحث إلى البعثة الأوروبية المخصصة لتقديم التدريب والاستشارات للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي ضمن السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي، إضافة إلى مستقبل الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، وإمكان التوصل إلى صيغة جديدة عبر مجلس الأمن الدولي.
وشمل اللقاء أيضًا استمرار الدعم الأوروبي للجيش اللبناني، والعلاقات بين لبنان وسوريا، وملف النازحين السوريين وضرورة التوصل إلى عودة آمنة ومستدامة.
وفي مستهل اللقاء، شكر رجّي الاتحاد الأوروبي على دعمه المستمر للبنان، واصفًا هذا الدعم بأنه "حيوي" للبنان ولجيشه، ومشيرًا إلى نحو مليار يورو ضمن الموازنة الأوروبية المتعددة السنوات، إضافة إلى 100 مليون يورو لدعم الجيش عبر مرفق السلام الأوروبي.
وأكد رجّي عزم الحكومة على مواصلة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والمالية، مشددًا خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع كالاس على أهمية البعثة الأوروبية الجديدة، باعتبارها "استثمارًا مهمًا في الدولة اللبنانية ومؤسساتها"، من خلال دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي بالتدريب والخبرات.
وقال رجّي: "اتخذ لبنان قرارًا سياديًا واضحًا بحصر السلاح واستخدام القوة بيد الدولة وحدها على كامل أراضيه"، معتبرًا أن هذا الخيار يشكل مدخلًا أساسيًا لاستعادة السيادة وترسيخ الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وأضاف: "نعوّل على استمرار وقوف الاتحاد الأوروبي إلى جانب لبنان ومؤسساته الشرعية لتحقيق هذا الهدف الوطني، كما نعوّل على دعمه لإنهاء الوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية وضمان التنفيذ الكامل للقرار 1701".
وأكد رجّي أن لبنان يعمل على "طيّ صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة" عنوانها استعادة سلطة الدولة وإعادة بناء المؤسسات ووضع البلاد على طريق الاستقرار والتعافي، مشددًا على رغبة لبنان في أن تكون أوروبا شريكًا أساسيًا في هذه المرحلة.
من جهتها، أعلنت كالاس أن الاتحاد الأوروبي أنجز التخطيط لبعثة جديدة لتقديم التدريب والاستشارات للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بعد تلقيه دعوة رسمية من السلطات اللبنانية، متوقعة أن يقرّ وزراء خارجية الاتحاد إنشاء البعثة رسميًا يوم الاثنين 12 تشرين الأول.
وأوضحت أن البعثة تهدف إلى تعزيز سلطة الجيش والقوى الأمنية على الأراضي اللبنانية، ودعم أمن الحدود والأمن الداخلي بما يتوافق مع القرار 1701، مؤكدة أنها "لن تحل مكان اليونيفيل ولن تقتصر على الجنوب".
وأشارت إلى أن مستقبل الوجود الأممي في الجنوب لا يزال قيد النقاش، وأن الاتحاد الأوروبي مستعد للعمل مع لبنان والأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن بشأن المرحلة المقبلة، محذرة من أي فراغ أمني بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل".
وعلى الصعيد المالي، لفتت كالاس إلى أن الاتحاد الأوروبي أعلن في أيلول مساعدة بقيمة 505 ملايين يورو حتى عام 2027، تستكمل حزمة المليار يورو المعلنة عام 2024، على أن تُخصص للتعافي الاقتصادي والأمن وإدارة الحدود والخدمات الأساسية.
كما أشارت إلى أن قيمة الدعم المقدم للجيش اللبناني عبر آلية السلام الأوروبية بلغت 182 مليون يورو منذ عام 2022، ما يضع لبنان في المرتبة الثالثة بين المستفيدين منها.
ودعت كالاس إلى الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ في الإصلاحات، ولا سيما في القطاعين الاقتصادي والمصرفي، معتبرة أن ذلك أساسي لجذب الاستثمارات وتوسيع الدعم الدولي.
وأكدت أيضًا دعم الاتحاد الأوروبي للاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة بشأن الجنوب، وضرورة أن تمارس الدولة اللبنانية سيطرتها الكاملة على أراضيها، بما يشمل المضي في نزع سلاح حزب الله.
وفي الملف السوري، رحبت كالاس بالتعاون بين بيروت ودمشق، وأقرت بحجم العبء الذي يتحمله لبنان نتيجة استضافة النازحين السوريين، مشددة على أن عودتهم تتطلب مواكبة إعادة الإعمار وتأمين المدارس والمستشفيات والبنى التحتية والأمن.
وتأتي زيارة كالاس إلى بيروت في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها ملفات الجنوب، ومستقبل "اليونيفيل"، وحصر السلاح بيد الدولة، والإصلاحات الاقتصادية، فيما يسعى لبنان إلى تثبيت دعم أوروبي أوسع لمؤسساته الأمنية والعسكرية وتفادي أي فراغ في الجنوب.

Social Plugin