جوسلين جريس _ الاشرفية نيوز
في مناسبة جمعت أهل القضاء والقانون والإدارة والبحث الأكاديمي، استضاف معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، الخميس ١ تشرين الاول 2026، ندوة وحفل توقيع كتاب الدكتورة هدى رفيق صابر بعنوان «الشراء العام في لبنان: البنية القانونية والإشكاليات التطبيقية»، في لقاء حمل إلى جانب الاحتفاء بإصدار قانوني جديد، نقاشًا معمقًا حول واقع الشراء العام في لبنان، وحدود الانتقال من النص التشريعي إلى التطبيق السليم.
حضر المناسبة عدد من الشخصيات القضائية والإدارية والقانونية والأكاديمية، إلى جانب الزملاء والأصدقاء والمهتمين بالشأن العام، فيما شكّل المعهد مساحة للقاء بين الخبرة القضائية والإدارية والبحث القانوني والتجربة العملية في مجال الشراء العام.
واستهلت الندوة بكلمة رئيسة معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي الدكتورة لميا المبيّض بساط، التي رحّبت بالدكتورة هدى صابر، مؤكدة أن اختيار المعهد لإطلاق الكتاب يكتسب معنى خاصًا، ولا سيما أن المؤلفة ترتبط بالمعهد منذ سنوات، وواكبت مسار التدريب على قانون الشراء العام منذ عام 2018، كخبيرة ومدرّبة معتمدة ومعدّة لبرامج تدريبية.
وتوقفت المبيّض بساط عند المسار المهني والأكاديمي لصابر، معتبرة أن تجربتها تشكل نموذجًا على قدرة الموظف العام على الجمع بين العمل الإداري والطموح الأكاديمي والبحث العلمي والتخصص، وأن الخبرة التي تتراكم داخل الإدارة العامة يمكن أن تتحول، عندما تقترن بالمعرفة، إلى إنتاج علمي يساهم في تطوير الإدارة نفسها.
وأكدت أن الشراء العام يشكل أحد المكونات الأساسية لإدارة المال العام، وهو مجال يتقاطع فيه القانون مع السياسات العامة والممارسة الإدارية وبناء القدرات والحوكمة، مشيرة إلى الدور الذي اضطلع به المعهد في مواكبة مسار إصلاح منظومة الشراء العام في لبنان وتعزيز كفاءتها وشفافيتها.
وشددت على أن الإصلاح لا تصنعه النصوص وحدها ولا المؤسسات وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى أشخاص يؤمنون بدورهم، ويواصلون التعلم، ويضعون خبراتهم ومعارفهم في خدمة العمل العام، معتبرة أن الاستثمار في الإنسان والمعرفة يشكل جزءًا أساسيًا من الاستثمار في مؤسسات الدولة.
من جهته، قدّم القاضي الدكتور غالب غانم، رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس شورى الدولة سابقًا، قراءة قانونية معمقة للكتاب، متوقفًا عند ما اعتبره من أبرز عناصر قوته، وفي مقدمها الجمع بين الموضوعية العلمية والمواقف الشخصية في معالجة الإشكاليات القانونية.
وأشار غانم إلى أن المكتبة القانونية اللبنانية لا تزال تعاني فراغًا في مجال القانون العام، ولا سيما في ميدان الشراء العام، بالنظر إلى حداثة القانون وندرة المؤلفات المتخصصة في الصفقات العمومية، معتبرًا أن كتاب صابر يأتي ليواكب هذا الواقع ويقدم بحثًا يتجاوز استعادة النصوص القانونية إلى مساءلتها وتحليلها وربطها بالتطبيق.
وتوقف عند عدد من الملاحظات والإشكاليات التي أثارتها المؤلفة في كتابها، من بينها مسائل تتعلق بمهل الشكاوى، وتحديد الجهات الخاضعة للقانون، واختيار طرق الشراء، والنقص الجوهري وغير الجوهري في العروض، ومهل توقيع العقود، والتبليغ، وتعديل العقود أثناء التنفيذ، وغيرها من المسائل التي تطرحها الممارسة العملية.
وأكد أن قيمة المؤلَّف القانوني لا تكمن في إعادة عرض ما هو موجود في النصوص، بل في قدرته على تقديم قراءة نقدية ومفيدة تساعد الباحث والممارس على فهم ما هو ملتبس أو ناقص أو بحاجة إلى اجتهاد، معتبرًا أن كتاب «الشراء العام في لبنان» يستحق أن ينضم إلى المكتبة القانونية اللبنانية لما يحمله من مقاربة علمية متخصصة.
كما توقف غانم عند أهمية الشفافية والنزاهة والمسؤولية باعتبارها من الركائز الأساسية التي تنتظم حولها منظومة الشراء العام، مشددًا على أن تطبيق القانون بعيدًا من هذه المبادئ قد يؤدي إلى هدر المال العام وزعزعة الأمان الاقتصادي والاجتماعي.
وتناول أيضًا دور هيئة الشراء العام، مشيرًا إلى أهمية تمسكها بالقانون ومبادئ الشفافية والنزاهة والمسؤولية، في سياق العمل على تثبيت منظومة الشراء العام ومواكبة تطبيقها.
أما الدكتور جان العلية، رئيس هيئة الشراء العام، فتناول الكتاب من زاوية الخبرة العملية والتطبيقية، مشددًا على أهمية أن تبقى ثقافة القانون حاضرة في الإدارة العامة، وعلى أن القانون وجد لخدمة المصلحة العامة، وأن النص متى كان واضحًا لا يترك مجالًا لاستبداله باجتهاد شخصي.
وأوضح العلية أن الشراء العام لا يقتصر على تأمين حاجة إدارية بأقل كلفة، بل يرتبط أيضًا بأبعاد اقتصادية واجتماعية وبيئية وتنموية، مشيرًا إلى أن الهدف الرئيسي يتمثل في تحقيق القيمة مقابل المال.
وتناول أهمية المنافسة وزيادة عدد الموردين متى كان ذلك ممكنًا، كما شدد على ضرورة عدم تحويل طرق الشراء الاستثنائية، ومنها الاتفاق الرضائي والشراء بالفاتورة، إلى قاعدة، مؤكدًا أن الاستثناء يجب أن يبقى في حدوده القانونية وألا يتحول إلى وسيلة دائمة لتأمين الحاجات.
كما توقف عند أهمية إعداد دفاتر الشروط بصورة فنية وتقنية محايدة، محذرًا من وضع مواصفات لا تنطبق إلا على شركات محددة أو عدد محدود من الموردين، إضافة إلى أهمية تجنب تضارب المصالح في لجان التلزيم والاستلام.
ولفت العلية إلى أن عملية الشراء العام لا تنتهي عند إعلان نتيجة التلزيم وتوقيع العقد، بل تبدأ مرحلة لا تقل أهمية، هي إدارة العقد وتنفيذه، إذ ينبغي التأكد من مطابقة التنفيذ للمواصفات، ومن تحقيق الأهداف التي أُبرم العقد من أجلها، وتقييم أداء الملتزمين والجهات العامة.
وفي ختام مداخلته، شدد على أهمية العلم والمعرفة والاستثمار في رأس المال البشري، ولا سيما في زمن الذكاء الاصطناعي، داعيًا إلى تطوير الإدارة والمؤسسات والفكر الإداري بما يتلاءم مع التحولات التي يشهدها العالم.
وتولى الدكتور زياد الشيخ، مفوض الحكومة لدى وزارة المالية، تنسيق الاحتفال وتقديم فقراته، فأدار الندوة بمهنية عالية، وأضاء على المسار المهني للدكتورة هدى صابر وخبرتها في وزارة المالية وفي مجال عقود النفقات والمشتريات العمومية، مشيدًا بعملها الدؤوب ومساهمتها في مسار الإصلاح، وبأهمية الكتاب في رفد المكتبة القانونية اللبنانية بمرجع يجمع بين المعرفة النظرية والخبرة التطبيقية.
بدورها، تحدثت مؤلفة الكتاب الدكتورة هدى رفيق صابر عن الرحلة التي قادتها إلى إنجاز مؤلفها، موضحة أن فكرة الكتاب لم تولد من اهتمام نظري بالشراء العام، بل من تجربة طويلة في العمل والتدريب والبحث والنقاش مع العاملين في الإدارة العامة والزملاء.
وأوضحت أن هدفها لم يكن تكرار أحكام القانون، بل محاولة شرح منطقه وربط مواده ببعضها ووضعها ضمن تسلسل عملي، بحيث يستطيع القارئ أن يرى دورة الشراء العام كمسار متكامل لا كمجموعة مواد منفصلة.
وتناول الكتاب، بحسب مؤلفته، الأسس العامة لنظام الشراء العام وبنيته المؤسسية والمبادئ والقواعد الإجرائية التي تحكمه، مرورًا بالمناقصة العمومية وطرق الشراء الأخرى وشروط اللجوء إليها، وصولًا إلى تنفيذ العقد والآثار القانونية المترتبة عليه.
وشددت صابر على أن الإضافة الأساسية التي حاولت تقديمها تكمن في طرح الإشكاليات التي يثيرها التطبيق العملي، ومحاولة مقاربتها انطلاقًا من مبادئ المنافسة والفاعلية والشفافية والنزاهة والمساءلة، إلى جانب مبادئ القانون الإداري والاجتهادات ذات الصلة.
وقالت إن «الاختبار الحقيقي لأي تشريع يبدأ عند التطبيق»، مؤكدة أن القانون يعيش بالتطبيق، وأن التطبيق يولّد أسئلة جديدة باستمرار، معتبرة أن قيمة الكتاب لا تقاس بعدد صفحاته أو النسخ التي توزع منه، بل بالأثر الذي يمكن أن يتركه في الممارسة.
وأعربت عن أملها في أن يساعد الكتاب موظفًا على اتخاذ قرار صحيح، أو يوضح مسألة قانونية ملتبسة، أو يفتح نقاشًا حول ممارسة تحتاج إلى تطوير، وأن يشكل مساهمة، ولو محدودة، في طريق طويل نحو إدارة عامة أكثر كفاءة وشفافية وقدرة على حماية المال العام وخدمة المصلحة العامة.
وبعد الكلمات، فُتح المجال أمام الحاضرين للأسئلة والمداخلات، قبل الانتقال إلى توقيع الكتاب، حيث وقّعت الدكتورة هدى صابر نسخًا من مؤلفها للحاضرين، في أجواء عكست التقدير لمسيرتها المهنية والعلمية.
واختُتمت المناسبة بحفل كوكتيل على شرف الدكتورة هدى صابر وضيوفها، تخلله التقاط الصور التذكارية وتبادل التهاني، في لقاء جمع أهل القانون والإدارة والأصدقاء والزملاء حول كتاب يضع الشراء العام في لبنان أمام قراءة تجمع النص بالقانون، والخبرة بالاجتهاد، والتشريع بالتطبيق.
من موقع الأشرفية نيوز، ورئيسة التحرير جوسلين جريس، نتمنى للدكتورة هدى رفيق صابر كل التوفيق والنجاح في هذا الإصدار المميز، وأن يبقى قلمها مساحة للمعرفة، ومنبرًا للحوار، وإضافة نوعية إلى المكتبة القانونية اللبنانية، وأن يثمر هذا العمل في خدمة الإدارة العامة وحماية المال العام وتعزيز ثقافة القانون.
on telegram
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا







Social Plugin