النهار ...
يستعيد الواقع الداخلي اللبناني مشهد ثنائية التنافس المحتدم الحارّ، بين أولوية مواجهة الوضع المتفجر في الجنوب واستتباعاته الميدانية والديبلوماسية الشديدة القتامة وإطلالات الاستحقاقات والملفات الداخلية الداهمة، من مثل ما تثيره مسيرة إقرار الموازنة العامة من فتح جروح وأزمات ومسائل اجتماعية واقتصادية. ومع ذلك، يبقى الوضع في الجنوب الآخذ في السخونة والمثير للمخاوف من اتّساع العمليات والمواجهات الميدانية في صدارة الأولويات نظراً إلى تزايد المعطيات التي تنذر بأن المرحلة المقبلة الفاصلة عن موعدي الانتخابات العامة في إسرائيل في تشرين الأول المقبل والانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية قد تخلو عملياً من عوامل الضبط الصارم لاحتمالات التفلّت التصعيدي في لبنان، بما يبقي الوضع الميداني جنوباً عرضة لتغييرات يصعب التكهن بمداها الجغرافي ما دامت إسرائيل تطرح تصورات متناقضة تماماً بشكل متواصل حيال "المنطقة الأمنية".
ووسط هذه الاجواء الضبابية الملبدة باحتمالات تصعيد متدحرج في الجنوب، برزت الزيارة النادرة شكلاً ومضموناً وتوقيتاً، التي قام بها أمس السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إلى المجلس الإسلامي الشيعي الاعلى، حيث التقى نائب رئيس المجلس، الشيخ علي الخطيب، والتي حمل خلالها السفير نداءً علنياً حصرياً إلى "البيئة الشيعية". واكتسب النداء دلالات مهمة، إذ خاطب عيسى بعد اللقاء، "البيئة الشيعية" بالقول إن بلاده "لا تريد إلا مصلحة البيئة الشيعية وعودة الجنوب إلى أصحابه"، معلناً، "نحن لا نريد إلا مصلحتكم". وأضاف: "لا نعرف كيف نصل إلى نتيجة مع قسم من الطائفة الشيعية، إذ لا يفهمون أن مصلحتهم تكمن في أن يتفهموا ما هي مسؤولياتهم". ورداً على سؤال حول الأسرى، قال: "لن أتوقف وسنبذل كل الجهود حتى النهاية وهذه مسؤوليتي". وأعلن عيسى "أننا مستعدون للتفاوض مع "حزب الله" عن طريق الدولة اللبنانيّة"، وحرص على التوضيح في موضوع الحوار مع الحزب "إنه قصد أن الدولة اللبنانية هي التي تفاوض لصالح لبنان، وأننا مستعدون للتفاوض معهم عن طريق الدولة اللبنانية لإيصال ما يمكننا إيصاله. نحن وسطاء ليس أكثر".
وفي المعلومات المتوافرة لـ"النهار" أن الشيخ علي الخطيب والسفير الأميركي ميشال عيسى ناقشا في مقر المجلس في الحازمية جملة من الأمور التي تهم لبنان والطائفة الشيعية وهما اجتمعا للمرة الأولى. وفي المعلومات أن الخطيب ركّز على "ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية والتوصل إلى وقف حقيقي لإطلاق النار". وسأل عن " المجازر الإسرائيلية التي تستهدف المدنيين في أكثر من بلدة وسقوط كل هذه الاعداد من الشهداء والجرحى. وعليكم أن تتدخلوا (أميركا) بقوة لوقف هذا العدوان وعدم استمراره". وردّ عيسى بأن دولته "تعمل على تطبيق اتفاق الإطار وإنجاح المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وأن الاخيرة في النهاية تدافع عن نفسها". ولم يتوقع أن توسّع إسرائيل "مساحة الحرب في الجنوب". وحمّل "حزب الله" مسؤولية ما وصلت إليه الأمور في البلد. وكشفت المصادر أن عيسى سأل عن موقع لبنان في المستقبل وأن ايران ستوقّع اتفاقاً في نهاية المطاف مع أميركا "اليوم أو غداً وأين انتم؟". ولم يعارض عيسى على مسمع الخطيب الحوار مع الحزب عن طريق الدولة اللبنانية. واشترط أن يكون تحت مظلة الدولة وعدم تخطيها "ولا مانع أن يكون من يمثل الحزب من وزراء أو نواب للبت في مصير سلاحه وتسليمه للدولة اللبنانية. ولا نتحاور مع مسؤولين حزبيين". وشدّد الخطيب مجدداً على حماية الجنوب وكل لبنان مع "تأكيده وقوف الطائفة الشيعية خلف الرئيس نبيه بري بأي قرار يتخذه والالتزام به". وعلمت "النهار" انه في ختام اللقاء، أكد عيسى أن الرسالة من زيارته هي "العمل على نزع سلاح "حزب الله" وهذا هو طريق الحل". ورد عليه الخطيب "انتم لا تسعون إلى إيجاد حل".
في موازاة ذلك، برزت مواقف وإجراءات إضافية خارجية ضد "حزب الله". فقد أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن بريطانيا ستفرض عقوبات على جمعية "مؤسسة القرض الحسن"، التي تديرها جماعة حزب الله اللبنانية، واصفاً إياها بأنها الذراع التمويلية للجماعة.
من جهته، جدد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية العرب في ختام أعمال دورته الـ166 في مقر الأمانة العامة في القاهرة، "تضامنه الكامل مع الجمهورية اللبنانية ودعمه المطلق لسيادتها واستقلالها ووحدتها الوطنية"، مشدداً على "حق الدولة اللبنانية الحصري في اتخاذ قراراتها الوطنية السيادية بعيداً من أي تدخلات أو ضغوط خارجية". المجلس الذي تبنى قرارات الحكومة اللبنانية بالاجماع، أعرب عن "دعمه لإجراءات الحكومة اللبنانية لاستعادة صلاحية قرار الحرب والسلم، وحصر السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية الشرعية، استناداً إلى اتفاق الطائف والقرار الأممي 1701"، مؤكداً تأييده لقرارات الحكومة بشأن حظر النشاطات العسكرية والأمنية خارج إطار القانون، ووقف التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية، وتكريس سياسة السيادة والحياد الإيجابي.
ومن المقرر ان يغادر رئيس الحكومة نواف سلام بيروت في 19 الجاري متوجهاً إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ، حيث يرأس الوفد اللبناني الذي يضم ايضا وزير الخارجية يوسف رجي، ويلقي كلمة لبنان في 24 أيلول. وعلى هامش الاجتماعات الأممية التي ستضمه الى عدد من نظرائه من دول مختلفة، يعقد الرئيس سلام لقاء مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 28 أيلول، يحضره ايضا الوزير رجي .
اما في المشهد الداخلي فعلى وقع تلويح تجمع روابط القطاع العام العسكريين والمدنيين بالعودة إلى التظاهرات والإضرابات ما لم تعدل الحكومة مشروع موازنة 2027 وتلتزم بوعودها، وفي وقت اعلنت رابطة قدماء القوى المسلحة "اقفال طرق بيروت بشكل كامل اعتباراً من صباح يوم غد (اليوم) إلى حين تحقيق المطالب"، التأم مجلس الوزراء بعد ظهر أمس وشرع في مناقشة مشروع الموازنة.
كما ان "المجلس الوطني لقدامى موظفي الدولة" دعا المتقاعدين وعائلاتهم، للنزول الى ساحة رياض الصلح في وسط بيروت عند الحادية عشرة قبل ظهراليوم ، للقاء باقي مكونات تجمع روابط القطاع العام عسكريين ومدنيين، والمشاركة في كل التحركات والفعاليات التي سينظمها ويدعو لها التجمع.
وقبل جلسة مجلس الوزراء أمس استقبل رئيس المجلس النيابي نبيه بري في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة رئيس الحكومة نواف سلام. ويفترض ان الرئيسين بحثا في إمكان عقد جلسة مساءلة للحكومة الاسبوع المقبل .
اما على الصعيد الميداني فإن التصعيد العسكري مستمر جنوباً وسط مخاوف على مصير النبطية بعد سقوط تلال علي الطاهر. وامس شيعت كفررمان ضحاياها الـ13 الذين سقطوا بغارات اسرائيلية، في حين أقدمت القوات الإسرائيلية على تنفيذ تفجير في بلدة المنصوري جنوب صور، وقد سمع صدى الانفجارات في صور والقرى المجاورة

Social Plugin