جمعيات تحذّر من موازنة 2027: المواطن يدفع أكثر والثروة أقل

حذّرت "مبادرة سياسات الغد" والجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين "ALDIC" و"كلنا إرادة" و"المفكرة القانونية" من إقرار مشروع موازنة 2027 بصيغته الحالية، معتبرة أنه يكرّس نهجًا سابقًا في إدارة المال العام، ويفتقر إلى رؤية إصلاحية واضحة، ويعيد إنتاج مخالفات تتعلق بغياب قطع الحساب والتراجع عن إصلاحات رقابية وضريبية.


وقالت الجمعيات، في بيان مشترك، إن مسودة الموازنة ترفع الإيرادات والنفقات من 6.05 مليارات دولار في 2026 إلى 6.91 مليارات في 2027، لكنها اعتبرت أن هذه الزيادة تعتمد بصورة أساسية على تحصيل المزيد من المواطنين والأجراء والمؤسسات الملتزمة، في مقابل حماية جزء من الثروة والريع والمداخيل غير المصرح عنها، فيما يذهب جزء كبير من الزيادة إلى كلفة المؤسسات بدلًا من تحسين الخدمات.

وانتقد البيان إحالة مشروع الموازنة من دون قطع حساب، معتبرًا أن إقرار أرقام جديدة من دون معرفة ما جُبي وأُنفق فعليًا في السنوات السابقة يضعف الشفافية ويحول دون تقييم صدقية تقديرات 2027. كما أشار إلى ما يُتداول عن فوائض مالية تحققت في 2025 بأكثر من مليار دولار وموجودة لدى مصرف لبنان، معتبرًا أن استخدامها خارج إطار الموازنة يطرح أسئلة إضافية بشأن الانتظام المالي.

كذلك، اعتبرت الجمعيات أن عرض موازنة "متوازنة" بقيمة 6.91 مليارات دولار لا يعكس الصورة المالية الكاملة، بسبب عدم إدراج كلفة الدين العام المتعثر وخدمته والمتأخرات والتزامات الدولة، معتبرة أن غياب تسجيل هذه الأعباء لا يعني زوالها.

وحذّر البيان من المادة 62 التي تسمح لإدارات المرافئ بحسم نفقاتها التشغيلية قبل تحويل الإيرادات إلى الخزينة، معتبرًا أنها قد تعيد فتح الباب أمام زيادة الإنفاق خارج ضوابط المحاسبة العمومية، ومستشهدًا بما حصل سابقًا في قطاع الاتصالات حيث ارتفعت النفقات المقتطعة وتراجعت حصة الخزينة من الإيرادات.

وفي الجانب الضريبي، أشار البيان إلى ارتفاع الإيرادات الضريبية من 4.94 مليارات دولار إلى 5.94 مليارات، لافتًا إلى أن الضرائب على الاستهلاك تشكل 78.5% منها، وأن زيادة رسوم المحروقات والضريبة على القيمة المضافة تؤمّن وحدها 552.4 مليون دولار، أي أكثر من نصف الزيادة الضريبية. كما أشار إلى ارتفاع ضريبة الرواتب والأجور بنسبة 66%، مقابل 22% لضريبة الأرباح، في حين تتراجع حصة ضرائب الثروة.

وانتقدت الجمعيات كذلك تخفيض الضريبة على بعض أرباح التفرغ عن العقارات من 15% إلى 10%، وخفض ضريبة التحسين إلى النصف، إلى جانب تراجع الإيرادات المتوقعة من تسويات إشغال الأملاك البحرية العامة، معتبرة أن هذه الخيارات تخفف العبء عن الريع العقاري في مقابل زيادته على الاستهلاك.

كما اعترض البيان على مواد تخفض غرامات مرتبطة بالتهرب أو المخالفات الضريبية، معتبرًا أنها قد تشجع على عدم الالتزام، ومن بينها إعفاءات لغير المصرحين عن إيرادات مالية في الخارج، وتخفيضات واسعة على غرامات التحقق والتحصيل، فضلًا عن تقليص الغرامة على أصحاب العمل الذين يقدمون بيانات مختلفة بين وزارة المالية والضمان الاجتماعي.

وأشار أيضًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد غير النظامي لا يزال خارج الرقابة الضريبية، مستشهدًا بالعمالة غير النظامية وقطاع المولدات الخاصة، داعيًا إلى تطبيق أدوات أكثر فاعلية لملاحقة المداخيل غير المصرح عنها وربط السجلات وتفعيل الرقم الضريبي الموحد.

وفي المقابل، وصف البيان فرض ضريبة على المساكن الشاغرة بأنه خطوة إيجابية، لكنه دعا إلى تطويرها لتشمل الرسوم البلدية وألا تقتصر على الوحدات السكنية فقط.

أما في الإنفاق العام، فأشار البيان إلى أن 834.9 مليون دولار، أي 97.1% من زيادة الإنفاق، تذهب إلى النفقات الجارية، فيما تستحوذ النفقات المرتبطة بالعاملين في القطاع العام على معظم الزيادة. واعتبر أن تصحيح الأجور ضرورة، لكنه انتقد الاعتماد على بدلات قابلة للسحب بدل تصحيح مستدام لأساس الراتب وربطه بإصلاح إداري واضح.

ولفت إلى أن الزيادات المرصودة للتعليم والصحة والحماية الاجتماعية تذهب بغالبيتها إلى العاملين والمتقاعدين، بينما تبقى الزيادات المخصصة مباشرة للمدارس والطلاب والخدمات الصحية وبرامج الرعاية محدودة.

وفي بند الاستثمار، حذّر البيان من تراجع حصة النفقات الرأسمالية من 12% إلى 10.8% من الموازنة، رغم حاجة لبنان إلى إعادة تأهيل الطرق والكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات. كما أشار إلى تخصيص نحو 50.8 مليون دولار فقط بوضوح لإعادة الإعمار والطوارئ، مقابل أضرار تقدّر بمليارات الدولارات.

وفي موازنة الدفاع البالغة 997.1 مليون دولار، قال البيان إن نحو 94.6% تذهب إلى العاملين والتشغيل، ولا يبقى سوى 48.2 مليون دولار للتجهيزات الرأسمالية و2.5 مليون للبنية التحتية، معتبرًا أن ذلك لا ينسجم مع حجم المهمات المطلوبة من الجيش.

وطالبت الجمعيات الحكومة بعدم إحالة المشروع قبل تقديم قطع حساب 2025 ونتائج تنفيذ موازنة 2026، ونشر بيانات الدين والمتأخرات، وتعديل عدد من المواد الضريبية، وإلغاء الإعفاءات غير المبررة، وإقرار مسار ملزم لضريبة موحدة وتصاعدية على الدخل، وتشديد مكافحة التهرب الضريبي، وإعادة توجيه الإنفاق نحو برنامج "أمان" والمدارس الرسمية والمستشفيات العامة والرعاية الأولية والبنية التحتية.

وختم البيان بالقول إن السؤال الأساسي ليس ما إذا كان المواطن يدفع الضرائب، بل "أي مواطن تدفعه الحكومة إلى الدفع"، معتبرًا أن موازنة 2027، بصيغتها الحالية، تعني أن "المواطن يدفع أكثر، والثروة تدفع أقل، والدولة تكبر في كلفتها لا في خدماتها".



. Whatsapp Channel https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h on telegram https://t.me/achrafieh_news all platforms Achrafieh News لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا