جوسلين جريس _ الاشرفية نيوز
رغم بروز بعض الإشارات الإيجابية مع نهاية الفصل الثاني من عام 2026، من وقف إطلاق النار في الأول من حزيران، إلى التراجع النسبي في التضخم ورفع الإمارات حظر السفر، بقيت الأسواق اللبنانية تحت وطأة تداعيات الصراع وتراجع القدرة الشرائية وثقة المستهلك، لتأتي أرقام تجارة التجزئة عاكسةً هشاشة التعافي الاقتصادي الذي كان قد بدأ يلوح في الأفق أواخر العام الماضي.
فبحسب تقرير «مؤشر جمعية تجار بيروت – فرنسبنك لتجارة التجزئة» للفصل الثاني من عام 2026، سجّل المؤشر تراجعًا جديدًا، ليستقر عند 26.26 نقطة، مقارنةً بـ 29.02 نقطة في الفصل الأول، فيما يعتمد المؤشر أساسًا قدره 100 نقطة للفصل الرابع من عام 2019.
وتكشف النتائج أن الحرب والصراع الإقليمي شكّلا خلال هذا الفصل منعطفًا حادًا في مسار الاقتصاد اللبناني، إذ انتقل مسار التعافي من حالة الانتعاش إلى الانكماش، بالتوازي مع استمرار الضغوط التضخمية وتراجع واضح في حركة الأسواق والنشاط التجاري.
وفي انعكاس مباشر على سلوك المستهلك، سجّل السوق تراجعًا في الثقة، وانخفاضًا في الإنفاق غير الضروري، وتأجيلًا لشراء السلع المعمّرة والكمالية، إضافة إلى انخفاض الإقبال على الأسواق والمراكز التجارية.
وبالأرقام، بلغ التراجع الحقيقي الفصلي في إجمالي قطاعات تجارة التجزئة، بما فيها المحروقات، 20.65 في المئة من حيث الكميات في قطاع الوقود، مقابل تراجع بلغ 8.72 في المئة في الفصل السابق. أما عند استثناء قطاع المحروقات، فقد بلغ الانخفاض الحقيقي الفصلي في رقم الأعمال 10.66 في المئة، فيما وصل التراجع الحقيقي السنوي إلى 20.15 في المئة مقارنة بالفصل الثاني من عام 2025.
لكن المشهد لم يكن متشابهًا في مختلف القطاعات. فقد تمكنت بعض الأنشطة المرتبطة بالحاجات الأساسية والملحّة من النازحين من تسجيل حركة أفضل، في حين دفعت الظروف الاقتصادية والأمنية الأسر إلى التعامل مع قطاعات أخرى باعتبارها ثانوية، فتراجعت فيها حركة الإنفاق بصورة أكثر حدة.
وتظهر الأرقام تفاوتًا كبيرًا بين القطاعات؛ إذ تصدرت مبيعات الأدوية النتائج الفصلية بارتفاع بلغ 58.85 في المئة، تلتها الأثاث والمفروشات بنسبة 20.55 في المئة، ثم السلع البصرية والسمعية بنسبة 9.30 في المئة، والأجهزة الطبية بنسبة 5.84 في المئة. في المقابل، سجلت قطاعات عدة تراجعات قاسية، أبرزها السلع الرياضية وأدوات التسلية بنسبة 70.75 في المئة، والعطور ومستحضرات التجميل 55.28 في المئة، ومعدات البناء 54.06 في المئة، والمخابز ومحال الحلويات 53.47 في المئة، والهواتف الخليوية وقطع الغيار 46.82 في المئة.
وعلى المستوى السنوي، امتد التراجع إلى معظم القطاعات، مع تسجيل انخفاضات بارزة في السلع الرياضية وأدوات التسلية بنسبة 56.90 في المئة، والعطور ومستحضرات التجميل 36.48 في المئة، والملابس 20.97 في المئة، ومبيعات الوقود 20.65 في المئة، والساعات والمجوهرات 19.98 في المئة.
أما التضخم، فسجّل تطورًا أكثر إيجابية على أساس فصلي، إذ انخفض من 6.81 في المئة في الفصل الأول إلى 2.76 في المئة في الفصل الثاني من 2026، في حين بقي معدل التضخم السنوي عند مستوى مرتفع بلغ 17.25 في المئة.
وتفاوتت الضغوط التضخمية بين القطاعات، فبلغ التضخم السنوي 42.64 في المئة في قطاع الاستجمام والتسلية والثقافة، و35.72 في المئة في التعليم، و29.36 في المئة في النقل، و18.01 في المئة في المواد الغذائية والمشروبات غير الروحية، و16.32 في المئة في المطاعم والفنادق، بينما سجّل قطاع الاتصالات معدلًا بلغ -0.59 في المئة.
وفي قراءة للمشهد الاقتصادي الأوسع، يشير التقرير إلى أن الحكومة تخلّت عن توقعاتها الأولية لنمو الناتج المحلي الحقيقي بنحو 4 في المئة خلال عام 2026، فيما توقعت وزارة المالية في نهاية الفصل الثاني انكماش الاقتصاد بنسبة لا تقل عن 7 في المئة، مع احتمال بلوغه نحو 10 في المئة في حال تجدد الصراع.
وفي المقابل، بقيت موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية مستقرة نسبيًا عند 11.55 مليار دولار في نهاية حزيران، بينما تراوحت احتياطيات الذهب بين 37 و42 مليار دولار، وفق التقرير، في مؤشرات اعتبرها مشجعة، رغم استمرار إدراج لبنان على اللائحة الرمادية.
ويصل التقرير إلى خلاصة تحمل قدرًا كبيرًا من القلق، إذ يرى أن الهدوء النسبي الذي ساد أواخر الفصل، وبدء المفاوضات لوقف الحرب، لم يبدّدا بعد الأسئلة الاقتصادية والمالية الأساسية، وفي مقدمتها إعادة هيكلة المصارف، وقانون الفجوة المالية، والتوصل إلى برنامج فعّال مع صندوق النقد الدولي، واستعادة تدفقات السياحة والتحويلات، وإعادة بناء ثقة المستثمرين وإعادة الدورة الاقتصادية إلى مسارها الطبيعي.
وبينما كان يُفترض أن يشكّل موسم الصيف مساحةً لالتقاط الأسواق أنفاسها، جاء النشاط أقل من التوقعات، تاركًا التجار أمام صيف مخيّب وغياب واضح للرؤية في المدى القريب. ويبقى الأمل، وفق خلاصة التقرير، بأن تنجح جهود التهدئة في إعادة شيء من الطمأنينة إلى المستهلك، وأن تستعيد الأسواق قدرتها على التنفس، فيما يواصل التجار صمودهم بانتظار عودة الاستقرار إلى أعمالهم وملاءتهم المالية.
ويُذكر أن «مؤشر جمعية تجار بيروت – فرنسبنك لتجارة التجزئة» يُعد من المؤشرات التي بدأ القطاع الخاص اللبناني بإصدارها منذ أواخر عام 2011، بهدف توفير أداة علمية دورية لرصد اتجاهات تجارة التجزئة، ويُحتسب استنادًا إلى بيانات عينة تمثيلية تشمل 45 قطاعًا وفق تصنيف إدارة الإحصاء المركزي.
الخلاصة الأهم في أرقام الفصل الثاني: التضخم بدأ يهدأ فصليًا، لكن الأسواق لم تستعد عافيتها بعد؛ فالمستهلك يؤجل ما يمكن تأجيله، والتاجر يواجه موسمًا أقل من الآمال، فيما يبقى التعافي الاقتصادي اللبناني معلقًا على استقرار أمني ومالي وسياسي لم تكتمل شروطه بعد.
on telegram
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا

Social Plugin