من الرباط إلى بيروت... جابر يراهن على المؤسسات لا المساعدات


أكد وزير المالية ياسين جابر أن المؤسسات القوية، القادرة على الصمود والاستمرار في أداء رسالتها مهما اشتدت الأزمات، تشكل الأساس الذي تُبنى عليه الإصلاحات الاقتصادية والمالية، معتبرًا أن الاستثمار في بناء القدرات وتعزيز الإدارة العامة هو الاستثمار الأكثر استدامة للدول.

وجاء كلام جابر خلال ترؤسه، بصفته رئيس اللجنة التوجيهية لمركز المساعدة الفنية الإقليمي للشرق الأوسط "ميتاك"، الاجتماع السنوي للجنة الذي افتتحت أعماله في العاصمة المغربية الرباط مديرة المركز مونيك نيوياك، بمشاركة وزراء مالية وكبار مسؤولين من الدول الأعضاء، إلى جانب ممثلين عن صندوق النقد الدولي والجهات المانحة والشركاء الدوليين.

وشدد جابر، في كلمته، على أن الاختبار الحقيقي لأي مؤسسة لا يكمن فقط في قدرتها على تحقيق الإنجازات في الظروف الطبيعية، بل في قدرتها على المحافظة على المعرفة والخبرة والمعايير المهنية، والاستمرار في خدمة المصلحة العامة خلال فترات التغيير وعدم اليقين، مؤكدًا أن المؤسسات الراسخة هي التي تترك إرثًا مستدامًا للأجيال المقبلة.

وأشار إلى أن "ميتاك" نجح، على مدى أكثر من 20 عامًا، في ترسيخ هذا النهج من خلال مواكبة المؤسسات العامة في الدول الأعضاء وتعزيز قدراتها، لافتًا إلى أن المركز نفّذ خلال السنة المالية الماضية 173 نشاطًا للمساعدة الفنية، بنسبة تنفيذ بلغت 99.4%، بما يعكس كفاءة إدارته والثقة التي يحظى بها من الدول الأعضاء وشركائه في التنمية.

وقال جابر إن العلاقة التي تجمع لبنان بـ"ميتاك" تجاوزت منذ سنوات طويلة مفهوم استضافة مركز إقليمي للمساعدة الفنية، لتتحول إلى شراكة مؤسساتية حقيقية ساهمت في تعزيز قدرات الإدارة العامة اللبنانية، معتبرًا أن المركز أصبح جزءًا من التاريخ المؤسسي للبنان، بعدما واصل أداء مهامه خلال مختلف الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي شهدها البلد.

وأضاف أن الحرب التي شهدتها المنطقة خلّفت كلفة إنسانية واقتصادية كبيرة، وأعادت إشعال الصراع في لبنان، مخلفة خسائر جسيمة وعمّقت التحديات الاقتصادية، إلا أن استمرار "ميتاك" في تقديم الدعم الفني خلال تلك المرحلة شكّل نموذجًا للشراكة الحقيقية، لأن المحافظة على استمرارية العمل المؤسسي لا تقل أهمية عن أي دعم مالي أو اقتصادي.

وأكد جابر أن أحد أبرز ثمار هذا التعاون تمثل في نجاح لبنان، بعد انقطاع دام 2 عام، في استئناف إعداد ونشر إحصاءات مرصد المالية العامة وفق منهجيات مطورة بدعم من المركز، معتبرًا أن هذا الإنجاز لا يقتصر على إصدار بيانات مالية، بل يعكس الحفاظ على المعرفة المؤسسية واستمرارية الكفاءات المهنية، بما يعزز الشفافية ويرسخ أسس الإدارة المالية الرشيدة.

وشدد على أن التعاون بين لبنان و"ميتاك" لم يكن أحادي الاتجاه، بل قام على تبادل الخبرات، إذ ساهم عدد من الخبراء اللبنانيين، ولا سيما من وزارة المالية، في تطوير برامج المركز في مجالات الإدارة الضريبية والسياسات الضريبية وإدارة المالية العامة والرقابة والتنظيم المالي، كما تولى خبراء لبنانيون مسؤوليات في إدارة الشؤون المالية في صندوق النقد الدولي، بما ساهم في نقل المعرفة وتعميم أفضل الممارسات على مستوى المنطقة.

ورأى جابر أن اجتماع اللجنة التوجيهية يشكل محطة أساسية لرسم ملامح المرحلة المقبلة من عمل المركز، داعيًا إلى أن تستجيب الخطة الخمسية الجديدة للمتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وأن تصبح المرونة وسرعة الاستجابة جزءًا أصيلًا من نموذج عمل "ميتاك"، لا مجرد تدابير استثنائية تُعتمد في أوقات الأزمات.

وأعرب عن أمله في أن تستضيف بيروت الاجتماع المقبل للجنة التوجيهية، بما يعكس الثقة المتجددة بلبنان ومؤسساته، متوجهًا بالشكر إلى الاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وهولندا والمملكة العربية السعودية وسويسرا، وإلى الدول المساهمة الجزائر ومصر والمغرب، مثمنًا استمرار دعمها للمركز ولبرامج بناء القدرات في المنطقة.

ويأتي كلام جابر في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى لبنان، حيث لا يزال ملف الإصلاح المالي والإداري يشكل المدخل الأساسي لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية، بعد سنوات من الانهيار النقدي والمالي وتراجع قدرة الإدارات العامة على أداء دورها. فالإصلاح، وفق المقاربة التي طرحها وزير المالية، لا يقوم فقط على قوانين أو خطط مالية، بل على مؤسسات قادرة على إنتاج بيانات موثوقة، وإدارة المال العام بشفافية، وحماية الخبرات داخل الإدارة بدل خسارتها تحت ضغط الأزمات.

وتكتسب شراكة لبنان مع "ميتاك" أهمية إضافية في ضوء الحاجة إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع الدولي، ولا سيما أن المؤسسات المالية والجهات المانحة تربط أي دعم مستقبلي بقدرة الإدارة اللبنانية على تنفيذ إصلاحات جدية، وتحسين الحوكمة، وتطوير الإدارة الضريبية والمالية، وتعزيز الرقابة على المال العام.

كما أن استئناف نشر إحصاءات مرصد المالية العامة بعد توقف دام 2 عام يعكس محاولة لإعادة الانتظام إلى واحدة من أبرز أدوات الشفافية المالية، في بلد عانى طويلًا من ضعف البيانات، وتراجع القدرة على إنتاج أرقام موحدة تساعد في رسم السياسات العامة ومراقبة الإنفاق والإيرادات.

أما دعوة جابر إلى استضافة بيروت الاجتماع المقبل للجنة التوجيهية، فتحمل بُعدًا سياسيًا ومؤسساتيًا في آن واحد، إذ تعكس رغبة في تثبيت صورة لبنان كدولة قادرة على استعادة دورها الإقليمي، وعلى احتضان نقاشات إصلاحية متقدمة، رغم الأزمات التي مر بها. وهي رسالة إلى الشركاء الدوليين بأن الاستثمار في المؤسسات اللبنانية لا يزال ممكنًا، وأن دعم القدرات الإدارية يشكل شرطًا أساسيًا لأي نهوض مالي واقتصادي مستدام.

ويستمر اجتماع اللجنة التوجيهية لـ"ميتاك" على مدى 2 يوم، ويبحث حصيلة أعمال المركز خلال السنة المالية المنصرمة، وتجارب اليمن وسوريا والمغرب في مجالات بناء القدرات والإصلاح المؤسسي، إضافة إلى نتائج التقييم المرحلي للمرحلة الحالية من برنامج عمل المركز، والتحضير للمرحلة السادسة الممتدة لـ5 سنوات، من خلال تحديد الأولويات الاستراتيجية وتطوير آليات تقديم المساعدة الفنية وتعزيز التعاون مع الدول الأعضاء والشركاء الدوليين.



Whatsapp Channel https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h on telegram https://t.me/achrafieh_news all platforms Achrafieh News لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا