إقالة قائد الجيش اللبناني... هل المطلوب تغيير قائد أم تغيير عقيدة المؤسسة العسكرية؟


لم يعد الحديث عن قائد الجيش اللبناني يقتصر على تقييم أداء مؤسسة عسكرية تؤدي واجبها في ظروف استثنائية، بل أصبح جزءاً من الصراع السياسي الدائر حول مستقبل لبنان، ودور الدولة، وموقع الجيش في معادلة الداخل والخارج. فكلما تعقدت الأزمات الإقليمية، وكلما ازداد الضغط على لبنان في ملف سلاح المقاومة، عاد إلى الواجهة الحديث عن قيادة الجيش، وعن ضرورة استبدالها أو تغيير نهجها، وكأن المشكلة تكمن في شخص القائد، لا في طبيعة الانقسام السياسي العميق الذي يعيشه البلد.

وفي الأسابيع الأخيرة، تزايدت التسريبات والتصريحات والتحليلات التي تناولت مستقبل قيادة الجيش، وربط بعضها استمرار القائد في منصبه بموقفه من ملف سلاح المقاومة. كما ظهرت مواقف سياسية وإعلامية تدعو إلى أن يضطلع الجيش بدور مباشر في نزع سلاح المقاومة بالقوة، فإن مجرد طرح هذا الخيار يستدعي وقفة وطنية مسؤولة، لأن تداعياته لا تتعلق بقيادة الجيش وحدها، بل بمصير المؤسسة العسكرية ووحدة لبنان واستقراره.

إن الجيش اللبناني ليس مؤسسة عسكرية عادية. فهو المؤسسة الوطنية الوحيدة التي بقيت متماسكة رغم الانهيار المالي والاقتصادي والسياسي الذي أصاب الدولة منذ سنوات. و هي المؤسسة الوحيدة التي لا زالت تدل أن هناك دولة ، ففي الوقت الذي تعطلت فيه معظم مؤسسات الدولة أو انقسمت، بقي الجيش يحافظ على وحدته، وعلى انضباطه، وعلى ثقة شريحة واسعة من اللبنانيين، رغم الظروف المعيشية القاسية التي يعاني منها ضباطه وعناصره.

ولم يكن هذا الصمود نتيجة الصدفة، بل نتيجة عقيدة وطنية تأسست منذ انتهاء الحرب الأهلية، تقوم على أن الجيش هو جيش جميع اللبنانيين، وليس جيش فريق ضد آخر، ولا أداة لتنفيذ أجندات سياسية داخلية أو خارجية. وهذه العقيدة هي التي حمت المؤسسة العسكرية من الانقسام، وجعلتها قادرة على الاستمرار في أداء مهامها رغم الانقسامات الحادة التي يعيشها البلد.

إن الذين يطالبون بأن يتولى الجيش بالقوة مهمة نزع سلاح المقاومة ينطلقون من رؤية تعتبر أن هذه المهمة تقع في صلب مسؤوليات المؤسسة العسكرية. لكن هذا الطرح يتجاهل أن قضية سلاح المقاومة ليست مجرد مسألة أمنية، بل هي قضية سياسية واستراتيجية معقدة، ترتبط بالاحتلال الإسرائيلي، وبالتهديدات الأمنية، وبالقرار الوطني، وبالتوازنات الداخلية والإقليمية. ولذلك فإن اختزالها في مواجهة عسكرية داخلية يحمل في طياته مخاطر كبيرة.

فالجيش اللبناني، بحكم تركيبته الوطنية، يضم أبناء جميع المناطق والطوائف والانتماءات السياسية. وهو لم يُبنَ ليكون طرفاً في نزاع داخلي، بل ليمنع وقوع هذا النزاع. وعندما يُطلب منه أن يواجه بالقوة شريحة واسعة من اللبنانيين، فإنه يصبح أمام امتحان شديد الخطورة قد ينعكس على تماسكه الداخلي وعلى صورته الوطنية.

إن التاريخ اللبناني يقدم دروساً لا يجوز تجاهلها. فقد أثبتت التجارب أن إدخال الجيش في الصراعات السياسية الداخلية يؤدي دائماً إلى إضعافه، وأن أي انقسام داخل المؤسسة العسكرية يفتح الباب أمام انهيار الدولة نفسها. لذلك فإن الحكمة كانت دائماً تقتضي إبقاء الجيش خارج التجاذبات السياسية، وعدم تحميله مسؤوليات تتجاوز القرار السياسي الوطني.

ومن هنا، فإن ما يُؤخذ على قيادة الجيش اليوم، من وجهة نظر بعض خصومها، هو بالذات ما يعتبره آخرون نقطة قوتها ، أي الحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة داخلية، والتمسك بدور المؤسسة كضامن للاستقرار والسلم الأهلي، مع الاستمرار في تنفيذ المهام الأمنية والعسكرية التي يكلفها بها الدستور والقوانين والسلطة السياسية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الجيش نجح في مكافحة الإرهاب، وضبط الأمن، وحماية الحدود في ظروف بالغة الصعوبة، وقدم مئات الشهداء في سبيل ذلك. لكنه في الوقت نفسه تجنب الانزلاق إلى اقتتال داخلي، مدركاً أن أي مواجهة من هذا النوع لن تكون مجرد عملية أمنية، بل بداية أزمة وطنية قد تمتد آثارها لعقود.

وفي هذا السياق، تكتسب التحذيرات المتكررة التي أطلقها رئيس مجلس النواب نبيه بري أهمية خاصة، عندما دعا أكثر من مرة إلى تجنب كل ما يمكن أن يهدد السلم الأهلي أو يدفع البلاد نحو فتنة داخلية. فهذه التحذيرات لا ينبغي قراءتها من زاوية الانحياز السياسي، بل من زاوية إدراك المخاطر التي قد تترتب على أي محاولة لزج الجيش في مواجهة بين اللبنانيين.

إن السلم الأهلي ليس شعاراً سياسياً، بل هو الشرط الأول لبقاء لبنان. وأي قرار يؤدي إلى وضع الجيش في مواجهة مع مكون لبناني أساسي قد يفتح الباب أمام تداعيات يصعب احتواؤها، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو وحدة الدولة.

ومن هنا، فإن أي نقاش حول قيادة الجيش يجب أن يبقى محكوماً بالمعايير المهنية والوطنية، لا بالرغبات السياسية أو الضغوط الخارجية. فالمؤسسات العسكرية في الدول المستقرة لا تُغيَّر قياداتها لأنها ترفض الانخراط في الصراعات السياسية، بل لأنها أخفقت في أداء واجباتها المهنية.

إن معالجة ملف سلاح المقاومة، مهما كان الموقف منه، تبقى مسؤولية السلطة السياسية اللبنانية من خلال حوار وطني واستراتيجية دفاعية وقرار سيادي جامع، وليس من خلال تحميل الجيش مسؤولية حسم قضية تتجاوز طبيعته ودوره وصلاحياته.

إن قائد الجيش العماد رودولف هيكل له تاريخ ناصع بالوطنية و الإستقامة و الحكمة ونظافة الكف ،

فإن المطلوب اليوم ليس تغيير قائد الجيش بقدر ما هو الحفاظ على العقيدة الوطنية التي حمت المؤسسة العسكرية طوال العقود الماضية. فإذا أصبح معيار بقاء أي قائد هو استعداده لإدخال الجيش في صراع داخلي، فإن الخاسر لن يكون القائد وحده، بل الجيش نفسه، والدولة اللبنانية، والسلم الأهلي الذي يشكل آخر ما تبقى من عناصر الاستقرار في هذا البلد.

إن قوة الجيش اللبناني لم تكن يوماً في عدد جنوده أو نوعية تسليحه فقط، بل في كونه المؤسسة التي ينظر إليها اللبنانيون بوصفها الملاذ الوطني الأخير. وإذا فقد هذه الصفة، أو تحول إلى طرف في الانقسام السياسي، فإن لبنان سيدخل مرحلة شديدة الخطورة، لأن إعادة بناء الثقة بالمؤسسة العسكرية ستكون أصعب بكثير من إعادة بناء ما تهدم من مؤسسات الدولة.

ولهذا، فإن الحكمة الوطنية تقتضي أن يبقى الجيش فوق الانقسامات، وأن يبقى قائده، أيّاً يكن اسمه، خاضعاً لمعيار واحد فقط: حماية لبنان، وصون وحدة المؤسسة العسكرية، ومنع انزلاق البلاد إلى الفتنة. فهذه ليست مصلحة فئة أو حزب، بل مصلحة وطن بأكمله.



Whatsapp Channel https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h on telegram https://t.me/achrafieh_news all platforms Achrafieh News لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا