ملفات حيوية في بعبدا... العراق والجنوب والضرائب على طاولة عون


شهد قصر بعبدا سلسلة لقاءات وزارية ونيابية ونقابية واجتماعية، وضعت أمام رئيس الجمهورية جوزاف عون مجموعة من الملفات الحيوية، بدءًا من التعاون مع العراق في قطاعَي الاتصالات والطاقة، مرورًا بالتطورات في الجنوب والمسار التفاوضي لانسحاب إسرائيل وعودة الأهالي، وصولًا إلى الأوضاع المعيشية للعمال وملف الصحة النفسية في ظل الأزمات المتراكمة.

وفي الملف الوزاري، اطلع الرئيس عون من وزير الاتصالات شارل الحاج على نتائج زيارته الرسمية إلى العراق ضمن الوفد اللبناني الذي ترأسه رئيس الحكومة نواف سلام، وعلى المحادثات التي تناولت تطوير العلاقات اللبنانية ـ العراقية في مجالات الطاقة والاقتصاد والاتصالات.

وأوضح الحاج أنه عرض خلال الزيارة رؤية وزارة الاتصالات لإنشاء ممر رقمي بين لبنان والعراق، يربط البلدين بشبكات الألياف الضوئية ويوفر للعراق منفذًا إضافيًا إلى الكابلات البحرية في البحر المتوسط، بما يساهم في تعزيز التكامل الرقمي والاقتصادي بين الجانبين.

وأكد الرئيس عون، خلال اللقاء، أن الاستقرار يشكل الركيزة الأساسية لأي نهوض اقتصادي أو استثماري، مشددًا على استمرار العمل للوصول إلى حل دائم يرسخ الأمن ويفتح أمام لبنان فرصًا جديدة للنمو.

ويحمل مشروع الممر الرقمي أهمية تتجاوز الجانب التقني، إذ يمكن للبنان، بحكم موقعه على البحر المتوسط، أن يؤدي دور نقطة عبور للبيانات بين العراق والأسواق الإقليمية والدولية، فيما يتيح المشروع لبغداد تنويع مسارات الاتصال الخارجية وعدم الاعتماد على منفذ واحد. كما قد يفتح أمام لبنان مجالًا لاستثمار بنيته التحتية البحرية وشبكاته الدولية، في وقت يحتاج فيه قطاع الاتصالات إلى استثمارات جديدة وتحديثات واسعة لاستعادة قدرته التنافسية.

وفي السياق نفسه، اطلع عون من وزير الطاقة والمياه جو صدي على نتائج المحادثات التي أجراها مع نظيره العراقي خلال زيارة بغداد، ولا سيما ما يتعلق بالتعاون في مجال النفط. وأكد صدي أن البحث كان إيجابيًا، وأن التعاون بين البلدين مرشح لمزيد من التوسع خلال المرحلة المقبلة.

ويأتي الاهتمام بالعلاقة مع العراق في ظل حاجة لبنان المستمرة إلى تأمين مصادر مستقرة للطاقة، بعدما شكلت أزمة الكهرباء ونقص التمويل وتراجع الإنتاج تحديات مزمنة أمام الدولة والمؤسسات والمواطنين. ولذلك، تكتسب أي تفاهمات جديدة مع بغداد أهمية خاصة، سواء في ما يتعلق بتأمين المشتقات النفطية أو وضع أسس تعاون طويل الأمد يخفف من هشاشة قطاع الطاقة.

وفي الملف السياسي، استقبل الرئيس عون السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا، وأطلعه على نتائج زيارته إلى الولايات المتحدة والمحادثات التي أجراها مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد من المسؤولين الأميركيين.

وتناول البحث الوضع في جنوب لبنان في ضوء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى أوضاع القرى الحدودية وحاجات الأهالي الذين صمدوا فيها أو بدأوا بالعودة إليها بعد أشهر من النزوح والدمار.

وأكد بورجيا أن البابا لاون الرابع عشر يتابع عن قرب التطورات في لبنان، ويعبّر باستمرار عن اهتمامه بأمن البلاد واستقرارها، سواء في عظاته أو في مواقفه خلال اللقاءات الرسمية والعامة.

وتأتي متابعة الفاتيكان في مرحلة شديدة الحساسية، مع انتقال الملف الجنوبي تدريجيًا من المواجهات الواسعة إلى مسار تفاوضي يهدف إلى تثبيت الأمن، وتسهيل انسحاب إسرائيل، وفتح الطريق أمام انتشار الجيش اللبناني وعودة السكان وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.

نيابيًا، التقى عون النائب ملحم رياشي موفدًا من رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، حيث أطلعه على نتائج الزيارة الرئاسية إلى واشنطن، فيما جدد رياشي دعم الحزب لمواقف رئيس الجمهورية وخياراته المتعلقة ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.

كما استقبل عون النواب وضاح الصادق ومارك ضو وفراس حمدان وميشال الدويهي وياسين ياسين، الذين أكدوا دعمهم للمسار التفاوضي الذي تقوده الدولة من أجل تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل، وإعادة الأهالي إلى بلداتهم، والبدء بإعادة الإعمار.

واعتبر النائب ياسين أن زيارة عون إلى واشنطن أعادت تثبيت حضور لبنان على الخارطة السياسية والاقتصادية الدولية، مشيرًا إلى أن اللقاء تناول اتفاق الإطار، ودور الجيش، وأهمية الحفاظ على وحدة اللبنانيين وعدم التفريط بأي مكوّن وطني.

بدوره، شدد النائب الصادق على أهمية الانسجام بين رئيسَي الجمهورية والحكومة، معتبرًا أن هذا التنسيق ساهم في استعادة الدولة دورها العربي والإقليمي، وأعاد تحريك الدعم الخارجي للبنان بعد سنوات من التراجع والعزلة.

أما النائب حمدان، فركز على ضرورة تسريع العمل بالمناطق التجريبية وتوسيعها لتشمل مناطق حيوية إضافية في الجنوب، بما يسرع انسحاب إسرائيل وعودة الأهالي والجيش وبدء إعادة الإعمار.

وأوضح أن الأولوية بالنسبة إلى أبناء الجنوب تتمثل في توسيع نطاق التنفيذ ليشمل طريق الخردلي ومرجعيون وكفرمان وقرى قريبة من النبطية ومناطق في القطاعين الغربي والشرقي، معتبرًا أن المسار الدبلوماسي المتاح يشكل الطريق العملي لاستعادة الحقوق اللبنانية تدريجيًا.

ويأتي الدعم النيابي للمسار التفاوضي بعد بدء تنفيذ الخطوات الأولى في عدد من المناطق الجنوبية، وسط تركيز رسمي على تحويل التجربة المحدودة إلى نموذج أوسع يربط أي انسحاب إسرائيلي بانتشار الجيش اللبناني وتأمين عودة السكان. ويواجه هذا المسار تحديات تتعلق بسرعة التنفيذ، وحجم الدمار، وخطر الذخائر غير المنفجرة، وحاجة القرى إلى إعادة تأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء قبل عودة الحياة الطبيعية إليها.

وفي الشق العمالي، استقبل عون رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، الذي عرض تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ولا سيما في الجنوب، حيث أدت الاعتداءات الإسرائيلية إلى تهجير السكان واليد العاملة، وتدمير مؤسسات، وتوقف قسري عن العمل، وصرف موظفين، وتقليص رواتب.

وطلب الأسمر من رئيس الجمهورية عدم فرض ضرائب جديدة على اللبنانيين، ولا سيما أي زيادة محتملة على الضريبة على القيمة المضافة، محذرًا من أن الحركة العمالية والقطاع الخاص لم يعودا قادرين على تحمل أعباء إضافية.

وأشار إلى استمرار الحوار مع وزارة المالية بشأن الزيادات المقررة للعاملين، داعيًا إلى اعتماد آلية تقسيط شهرية تراعي حاجات الموظفين وقدرة الخزينة في الوقت نفسه.

وحذر من أن تراجع النشاط الاقتصادي لم يعد محصورًا بالمناطق المتضررة مباشرة، بل امتد إلى مختلف القطاعات، مع انخفاض أرقام أعمال عدد من المؤسسات وتوقف جزء كبير من النشاط السياحي، ما يفرض، بحسب قوله، حوارًا شاملًا بين الحكومة والعمال وأصحاب العمل.

وتعكس هذه المطالب حجم الضغوط التي تواجهها الدولة بين الحاجة إلى زيادة الإيرادات وتمويل الرواتب والخدمات العامة، وبين تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وانكماش أعمال المؤسسات. كما يظهر الملف أن أي معالجة مالية منفصلة عن الواقع الاقتصادي قد تؤدي إلى تحميل الفئات الأضعف كلفة إضافية في مرحلة شديدة الصعوبة.

وفي الملف الاجتماعي، استقبل عون وفد نقابة النفسانيين برئاسة رجاء مكي، التي عرضت دور النقابة في مساعدة المواطنين على مواجهة التداعيات النفسية للحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

وأكدت مكي أن الإصلاح في لبنان لا يكتمل بالإجراءات الإدارية والاقتصادية وحدها، بل يحتاج إلى الاستثمار في الإنسان وصحته النفسية، باعتبارها أساسًا للثقة والصمود والاستقرار المجتمعي.

وطلبت النقابة اعتمادها مرجعًا وطنيًا متخصصًا وإشراكها في منظومة إدارة الأزمات والكوارث، إلى جانب إدراج الصحة النفسية ضمن أولويات السياسات العامة، وتعزيز التعاون مع الوزارات المعنية، وإطلاق مبادرات توعية تستهدف الأطفال والشباب والعائلات.

كما طرحت إنشاء لجنة استشارية وطنية للصحة النفسية، وإدماج النفسانيين في خطط الوقاية والتعافي، وإطلاق مبادرة تحت عنوان "الصحة النفسية حق للجميع".

من جهته، أكد الرئيس عون أهمية الاستثمار في الإنسان بوصفه ثروة وطنية، مشيدًا بالدور الذي تؤديه النقابة في مساعدة اللبنانيين على مواجهة الظروف الصعبة، ومبديًا اهتمامه بدراسة المبادرات المطروحة لما تحمله من انعكاسات إيجابية على المجتمع.

وتظهر لقاءات بعبدا تداخل الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المرحلة الحالية، إذ لا يمكن فصل استقرار الجنوب عن إعادة الإعمار، ولا تطوير الاقتصاد من دون بنية تحتية واتصالات وطاقة، كما لا يمكن تحميل المواطنين والعمال أعباء إضافية من دون معالجة تداعيات الحرب والأزمة المالية وحماية الصحة النفسية والاجتماعية.

Whatsapp Channel https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h on telegram https://t.me/achrafieh_news all platforms Achrafieh News لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا