"زمن الاستثناءات انتهى"... الإيجارات القديمة أمام العدّ العكسي!


في ظلّ استمرار الجدل حول ملف الإيجارات القديمة واقتراب انتهاء المهل القانونية المنصوص عليها في القوانين النافذة، يعود النقاش إلى الواجهة بين المالكين والمستأجرين، وسط دعوات متزايدة إلى احترام القوانين والأحكام القضائية وصون حق الملكية الخاصة باعتباره حقًا دستوريًا لا يجوز المساس به.

وفي هذا السياق، تؤكد رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات المحامية أنديرا الزهيري، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن معالجة ملف الإيجارات القديمة يجب أن تنطلق من احترام دولة القانون وتطبيق النصوص النافذة بعيدًا عن أي مقاربات شعبوية أو استثنائية.

وتشير الزهيري إلى أن "احترام القوانين النافذة يشكل الركيزة الأساسية لقيام دولة المؤسسات، كما أن احترام حق الملكية الفردية هو التزام دستوري لا يجوز الانتقاص منه تحت أي ذريعة. فالملكية الخاصة مصانة بموجب الدستور اللبناني والمواثيق الدولية، وهي ليست منحة من أحد، بل حق أصيل يفرض على الدولة حماية أصحابه وضمان تمتعهم به".

وتؤكد أن "مرحلة الإيجارات القديمة، سواء في الأماكن السكنية أو غير السكنية، أصبحت عمليًا وقانونيًا من الماضي، بعد صدور القوانين الجديدة التي نظّمت هذه العلاقة وأرست قواعد انتقالية واضحة ومتدرجة تراعي الحقوق والمصالح المشروعة لجميع الأطراف".

وتوضح أن "ملف الأماكن السكنية شهد خلال السنوات الماضية نقاشات واجتهادات متعددة حول القانون الواجب التطبيق بين قانون عام 2014 والقانون المعدّل الصادر عام 2017، إلا أن الاتجاه القضائي الغالب استقر على تطبيق قانون الإيجارات المعدّل لعام 2017، وقد صدرت عشرات الأحكام والقرارات القضائية التي كرّست هذا التوجه".

وتلفت إلى أنه "بموجب هذا القانون، تنتهي مدة التمديد القانونية الأساسية البالغة تسع سنوات بتاريخ 28 شباط 2026، أما المستأجر الراغب بالاستفادة من مدة التمديد الإضافية المحددة بثلاث سنوات، فعليه أن يكون قد التزم طوال السنوات السابقة بالموجبات القانونية التي فرضها القانون، وأن يكون قد صرّح ضمن المهل المحددة سنويًا برغبته في الاستفادة من أحكام الصندوق، وأن يبلغ المالك بصورة صريحة وواضحة قبل ثلاثة أشهر على الأقل من انتهاء السنوات التسع برغبته في الاستفادة من هذه المهلة الإضافية".

وتشدد على أن "عدم استيفاء هذه الشروط القانونية يسقط حق المستأجر بالمطالبة بالتمديد الإضافي، وهو ما أكدته المحاكم اللبنانية في العديد من الأحكام الصادرة عنها بدرجتيها الابتدائية والاستئنافية".

أما في ما يتعلق بالأماكن غير السكنية، فتؤكد الزهيري أن "القانون الخاص بها نافذ ومطبق بصورة طبيعية، وقد شهدت السنوات الماضية عددًا كبيرًا من التسويات الرضائية والاتفاقيات بين المالكين والمستأجرين، إلى جانب صدور أحكام قضائية عديدة استندت إلى أحكام هذا القانون وكرّست آلية تطبيقه".

وتكشف أن "الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية عام 2019 أشارت إلى وجود نحو 64 ألف وحدة سكنية خاضعة لأنظمة الإيجارات القديمة، إضافة إلى ما يقارب 25 ألف وحدة غير سكنية، إلا أن هذه الأرقام تراجعت بصورة ملحوظة خلال السنوات اللاحقة نتيجة التسويات الرضائية والأحكام القضائية وتملّك عدد من المستأجرين للوحدات التي كانوا يشغلونها، ما يعني أن هذه الملفات لم تعد تشكل الظاهرة الواسعة التي يحاول البعض تصويرها للرأي العام".

وترى أن "الحديث المتكرر عن التشريد الجماعي لم يعد يستند إلى معطيات واقعية، خصوصًا أن المستفيدين من أنظمة التمديد الاستثنائية أشغلوا المأجورات لفترات تجاوزت في كثير من الحالات سبعين عامًا، يضاف إليها أكثر من ثلاث عشرة سنة من التمديدات القانونية اللاحقة، وهو أمر استثنائي وغير مسبوق ويتعارض مع أبسط قواعد العدالة والمساواة".

وتؤكد أن "أي فئة اجتماعية تحتاج فعليًا إلى الدعم والرعاية يجب أن تحظى بمساندة الدولة عبر مؤسساتها المختصة، وفي مقدمها وزارة الشؤون الاجتماعية، كما أن الوقت حان لتفعيل برامج الإسكان والإيجار التملكي والحلول السكنية المستدامة، بدل الاستمرار في تحميل المالكين القدامى أعباء الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تقع مسؤولية معالجتها على عاتق الدولة".

ويأتي موقف الزهيري في وقت حظيت فيه ، بتكريم عربي خلال مشاركتها في الملتقى العلمي الدولي الأول حول "التحول الرقمي والحوكمة الاجتماعية، رهانات الأسرة والمجتمع" الذي استضافته مدينة فاس المغربية، حيث مُنحت درع المنتدى العربي للمدن الذكية تقديرًا لمسيرتها القانونية وإسهاماتها في تعزيز ثقافة القانون والحوكمة الرشيدة.

وتختم الزهيري مشددة على أن "المالك القديم هو أيضًا مواطن يستحق الحماية والرعاية، وله الحق المشروع في الاستفادة من ملكه والتصرف به وفقًا للقانون، لا أن يبقى لعقود طويلة رهينة أوضاع استثنائية. فالعدالة الحقيقية لا تتحقق إلا من خلال احترام القوانين والأحكام القضائية وصون حق الملكية الخاصة وتوزيع الأعباء الاجتماعية بصورة عادلة بين الدولة والمجتمع، بعيدًا عن الانتقاص من حقوق فئة لحساب فئة أخرى، لأن دولة القانون تبدأ من احترام القانون، ودولة العدالة تبدأ من احترام الحقوق".


Whatsapp Channel https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h on telegram https://t.me/achrafieh_news all platforms Achrafieh News لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا