النهار
قفز تفريغ الحارة المسيحية، بالإضافة إلى سائر أحياء مدينة صور ومحيطها بما فيها المخيمات الفلسطينية، إلى صدارة الحدث الميداني والداخلي عموماً في لبنان، إذ اكتسب طابعاً شديد الوطأة والخطورة ميدانياً ومعنوياً وشعبياً، نظراً إلى الأصداء المدوية لتهجير هذه المدينة الأعرق تاريخياً في الجنوب ولبنان، فضلاً عن الدلالات الخطيرة والوقع الصادم الذي يواكب ازدياد أعداد المهجرين بفعل إنذارات الإخلاءات الإسرائيلية المتعاقبة، بما بات يشكّل الظاهرة الأشدّ فداحة في تفريغ مناطق واسعة من الجنوب. وجاء هذا التطوّر وسط أجواء ديبلوماسية وميدانية تتشابك تعقيداتها تباعاً، بعدما بدا الموقف الإسرائيلي حاسماً في ربط أي استهداف لشمال إسرائيل بضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، بما يثير تساؤلات وشكوكاً حول "متانة" المنع الأميركي لإسرائيل من ضرب الضاحية. وإذ تبيّن أن لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري والسفير الأميركي ميشال عيسى قبل يومين لم يفض إلى أي نتيجة إيجابية، لجهة انتزاع موافقة "حزب الله" على التزام وقف النار من ضمن آلية المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة الأميركية، انكشف أكثر فأكثر عمق التورّط الإيراني المفضوح مع الحزب في محاولات إفشال المسار التفاوضي اللبناني، وذلك من خلال البيان الذي أصدره أمس "حزب الله" رافعاً فيه آيات التمجيد بإيران وبمسار إسلام آباد، فيما هو يخوّن السلطة اللبنانية ومفاوضاتها. وبرز هذا الانكشاف عبر دعوة الحزب السلطة اللبنانية إلى ما وصفه بـ"تصحيح علاقتها الرسمية مع الجمهورية الإسلامية بما يخدم مصالح الدولتين، والاستفادة من الدعم الإيراني من أجل تحقيق أهدافنا الوطنية، خصوصًا على ضوء تشكُّل المظلة الإقليمية الجديدة المنبثقة من مفاوضات إسلام آباد"
في أي حال، بدأت الاستعدادات للجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في 22 حزيران في واشنطن، على وقع التسابق مع مؤشرات تصعيد ميداني واسع. وفي هذا السياق اطّلع رئيس الجمهورية جوزف عون أمس من رئيس الوفد المفاوض في واشنطن السفير سيمون كرم، على أجواء الجلسة الأخيرة للمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي في الخارجية الأميركية، والتحضيرات الجارية لانعقاد الجلسة المقبلة.
وعرض عون لوفد من النواب الفرنسيين والأوروبيين المعطيات المتوافرة حول مسار المفاوضات اللبنانية- الأميركية- الإسرائيلية في واشنطن، و"الثوابت التي يلتزمها الوفد اللبناني المفاوض للوصول إلى إنهاء حالة العداء مع إسرائيل بعد انسحاب جيشها من الأراضي اللبنانية المحتلة وإعادة الاسرى وعدم عرقلة انتشار الجيش اللبناني حتى الحدود المعترف بها دوليا". وأشار إلى أن "انسحاب إسرائيل يمكّن لبنان من بسط سلطته وإنهاء المظاهر المسلحة وسحب أي مبرر لبقاء سلاح غير سلاح السلطة الشرعية وقواها المسلحة". ولفت إلى "أهمية اعتماد مقاربة سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية لمسألة سحب سلاح "حزب الله" بهدف المحافظة على الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي في البلاد".
وعلى صعيد التحركات السياسية ذات الصلة، برز استقبال رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية في دولة قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، يرافقه رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب تيمور جنبلاط والنائب هادي أبو الحسن. وأفادت المعلومات أنه جرى خلال اللقاء البحث في التطورات على الساحتين اللبنانية والإقليمية، والعلاقات الثنائية بين البلدين. و"ثمّن جنبلاط الدور الذي تضطلع به دولة قطر في خفض التوترات في المنطقة والسعي إلى إيجاد حلول ديبلوماسية للأزمات، كما أشاد بمواقفها الداعمة للبنان ووقوفها إلى جانبه في مختلف الظروف وعلى جميع المستويات".
أما في المقلب الإسرائيلي، فأعلنت القناة 14 الإسرائيلية أن المجلس المصغر قرّر أن أي صاروخ يطلق من لبنان على إسرائيل سيقابل بهجوم على بيروت من دون موافقة سياسية. وقالت إن الكابينت أمر الجيش بالرد في بيروت على أي صاروخ يسقط بالشمال دون انتظار أي موافقة. كما نقلت صحيفة "معاريف" عن مصدر عسكري إسرائيلي قوله: "إذا اقتضت الضرورة مهاجمة لبنان أو الضاحية الآن فسنهاجم". ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن وزيرة المستوطنات أوريت ستروك أنه توجد قيود على تنفيذ هجمات في بيروت، في حين لا توجد قيود على العمليات في جنوب لبنان. وأضافت أنه "في حال أطلق "حزب الله" النار، فإن الرد سيكون مؤلماً، وسيُدرك أنّ ذلك ليس في مصلحته".
وكان التطوّر الأبرز أمس في سياق إنذارات الإخلاء، توجيه المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي إنذارا عاجلا إلى سكان مدينة صور بما فيها الحارة المسيحية والمخيمات والأحياء المحيطة بها، وسجلت حركة نزوح كثيفة من المناطق المستهدفة.
وأغار الطيران الحربي الإسرائيلي على حي الحمادية في بلدة العباسية، وكفرصير، وبين بلدتي كفرصير وصير الغربية، وبيوت السياد، ودير قانون رأس العين، وحداثا، ومدينة النبطية، ومنطقة المساكن الشعبية في محيط مدينة صور. كما شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي بعد الظهر سلسلة غارات مستهدفاً بلدة النبطية الفوقا، حي سكران في بلدة حاروف مدمراً منزلاً، كما أغار على بلدة الكفور. ولفّ حزام ناري ناحية العباسية قرب صور. واستهدفت غارة منطقة الخردلي على الجبل تحت قلعة الشقيف، كما تعرّض المكان نفسه للقصف المدفعي، واستهدف قصف اسرائيلي جبل مشغرة في البقاع الغربي.
ولاحقاً، سجلت محاولة تسلل عبر الحدود إلى منطقة الجليل، وأعلن الجيش الإسرائيلي عن إطلاق نار باتجاه قواته العاملة في منطقة جبل راميم "وردّت القوات بإطلاق النار وقضت على "مخرب" في المنطقة، من دون وقوع إصابات في صفوف قواتنا". وكانت القناة 12 الإسرائيلية أفادت بأن الجيش الإسرائيلي قتل مسلحاً أطلق النار على قوة إسرائيلية قرب الشريط الحدودي مع لبنان وأعمال بحث جارية عن مسلح ثانٍ.
وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي، إنه بعد التحقيق الأولي، تظهّرت تفاصيل إضافية حول حادثة تسلل المُهاجم إلى "الأراضي الإسرائيلية" في منطقة سلسلة جبال رميم، حيث تسلل المُهاجم إلى جيب إسرائيلي يقع خلف السياج الحدودي داخل لبنان، وكان يرتدي زيًا عسكريًا تابعًا لحزب الله".
وأشارت إلى أنه "خلال نشاط لقوات الجيش الإسرائيلي داخل جنوب لبنان، رصدت القوات إطلاق نار باتجاهها، وقد أُطلق النار على القوات التي كانت تعمل داخل الأراضي اللبنانية، ودار تبادل لإطلاق النار مباشرة عند السياج الحدودي. وبعد أن قتلت القوات المُهاجم وقامت بتمشيط المنطقة، عُثر على جثته داخل جيب إسرائيلي يقع خلف السياج الحدودي. أي أنه، من الناحية الرسمية، تسلل إلى "الأراضي الإسرائيلية"، لكن وفقًا للمعلومات المتاحة، لم يخترق السياج الأمني ولم يدخل إلى منطقة مدنية.
كما تحدثت وسائل الاعلام الإسرائيلية عن إصابة عدد من الجنود بجروح خطيرة في انفجار مسيّرة انقضاضية قرب قوات إسرائيلية في جنوب لبنان

Social Plugin