أميركا تلعب بطريقة إيران... عملية سرية في مضيق هرمز



في قلب التصعيد حول مضيق هرمز، كشفت تقارير إسرائيلية عن عملية بحرية أميركية واسعة وسرية تهدف إلى ضمان استمرار تدفق النفط من الخليج، عبر اعتماد طريقة لطالما ارتبطت بإيران نفسها، تقوم على نقل الشحنات بين السفن في عرض البحر، بعيدًا من منطقة الخطر المباشر.

وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في "N12"، نقلًا عن "رويترز"، تدير الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة عملية بحرية سرية واسعة النطاق للحفاظ على تدفق صادرات النفط من دول الخليج، باستخدام أسلوب عُرف لسنوات بأنه من الأساليب التي تلجأ إليها إيران. ووفق التقرير، يشرف الجيش الأميركي على عشرات عمليات نقل النفط بين السفن في قلب البحر، بهدف الالتفاف على الاضطرابات التي نشأت بعد إغلاق مضيق هرمز.

وبدأت العملية مطلع أيار، وتشمل استخدام مسيّرات وزوارق غير مأهولة ومروحيات، تساعد في توجيه ناقلات نفط إلى نقاط التقاء مع ناقلات أكبر تنتظر خارج المضيق. وبحسب بيانات الملاحة وصور الأقمار الصناعية، شاركت حتى الآن 92 سفينة على الأقل في هذه العملية.

وتم تحديد نقطتين مركزيتين لعمليات نقل النفط في خليج عمان، الأولى قبالة سواحل الفجيرة في الإمارات، والثانية قبالة ميناء صحار في عمان. وفي 11 حزيران أيضًا، وثّقت الأقمار الصناعية 17 زوجًا من السفن التي نفذت بالتوازي عمليات نقل نفط في الموقعين.

وكان أحد أبرز الأحداث المرتبطة بهذه العملية إسقاط مروحية أباتشي أميركية على يد إيران الأسبوع الماضي. وبحسب التقرير، كانت المروحية تشارك في مهمة مرتبطة بعملية نقل النفط.

وتجري العملية الأميركية في منطقة شديدة الحساسية. فنقاط النقل تقع قرب الحدود التي حددتها "سلطة مضائق الخليج الفارسي"، وهي هيئة إيرانية جديدة أُنشئت لإدارة الحركة في مضيق هرمز، وعلى الأرجح لتكون مستقبلًا مسؤولة أيضًا عن جباية الرسوم من حركة العبور هناك.

وأشار التقرير إلى أن ميناء الفجيرة نفسه تعرض في الفترة الأخيرة لعدة ضربات إيرانية. وفي نهاية الأسبوع الماضي، أصاب "جسم غير معروف" ناقلة قبالة سواحل عمان، وفق شركة إدارة المخاطر البحرية البريطانية Vanguard. ولم يُصب أفراد الطاقم، فيما حصل تسرب جزئي في الحمولة من دون وقوع ضرر بيئي.

وطورت واشنطن منظومة بديلة لاستمرار حركة النفط من الخليج الفارسي، تقوم على تقنية تستخدمها إيران منذ سنوات للالتفاف على العقوبات المفروضة عليها. وبدل نقل النفط مباشرة عبر المضيق، تعبر ناقلات أصغر حجماً ثم تنقل الحمولة إلى ناقلات عملاقة خارج منطقة الخطر.

وبحسب مصادر مطلعة على العملية، تتجمع ناقلات النفط أولًا عند نقطة التقاء قبل دخول المضيق. بعد ذلك تبحر بفواصل تتراوح بين 3 و4 كلم بين سفينة وأخرى. وخلال الإبحار، تكون أجهزة التتبع لديها مطفأة وإضاءتها خافتة. وعلى طول المسار، حُددت نقاط مراقبة تتيح للجيش الأميركي متابعة تقدم السفن. وقال أحد المصادر إن الأميركيين "يتابعونك طوال الوقت".

وبعد عبور المضيق، في منطقة تقع خارج النطاق الذي تعتبره إيران خاضعًا لسيطرتها، تلتصق الناقلات الصغيرة بناقلات عملاقة وتبدأ عملية نقل الحمولة. وتستغرق العملية بين 24 و40 ساعة. وبعد ذلك تعود الناقلات الفارغة عبر المضيق، فيما تواصل الناقلات العملاقة الممتلئة طريقها إلى وجهاتها حول العالم.

ووفق التقرير، يسيطر الجيش الأميركي على العملية كلها ويديرها، إلا أنه لم تُعثر على أدلة تفيد بأن جنودًا أميركيين يشاركون فعليًا في عمليات النقل نفسها. وتشمل المساعدة الأميركية مراقبة جوية، وفحوص امتثال، وإشرافًا مستمرًا.

وتترافق هذه المنظومة مع آلية تدقيق صارمة. إذ يُطلب من مشغلي السفن تقديم معلومات تفصيلية إلى مكتب التعاون والتوجيه للملاحة التابع للبحرية الأميركية في البحرين. وتشمل المعلومات المطلوبة سجل التتبع الجغرافي الكامل، وبيانات عن المالك الحقيقي للسفينة، ومستندات الحمولة، والموافقة على فحوصات البضائع. وبعد الموافقة على الطلب، تُخصص للسفن نوافذ زمنية للعبور، وتبقى على اتصال مع الجهات الأميركية في البحرين طوال الرحلة.

وبحسب تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات الملاحة، مرّ عبر شبكة النقل البحرية منذ مطلع أيار ما لا يقل عن 90 مليون برميل من النفط ومشتقات الوقود. ورغم أن الكمية كبيرة، فإنها لا تزال محدودة مقارنة بنحو 20 مليون برميل كانت تمر يوميًا عبر مضيق هرمز قبل الحرب.

لكن العملية تنطوي أيضًا على مخاطر كبيرة. ويحذر خبراء الملاحة من أن إطفاء أجهزة التتبع والإبحار ليلًا من دون أضواء يزيدان خطر اصطدام السفن. كما تبقى هناك دائمًا إمكانية أن تقرر إيران استخدام مسيّرات أو زوارق مسلحة لمنع مرور مزيد من الناقلات في المضيق.

وقالت خبيرة المخاطر البحرية ناعوم رايدان من معهد واشنطن إن ما يجري لا يشكل حلًا دائمًا. وأضافت: "لا أرى في كل ذلك حلًا ثابتًا. إنه حل مؤقت لفترة استثنائية".

ولفت خبراء مختلفون إلى المفارقة في الوضع الجديد. ففيما كانت هذه الأساليب في السابق مرتبطة بـ"أساطيل الظل" التابعة لإيران وروسيا والصين وكوريا الشمالية، تعتمد الولايات المتحدة نفسها الآن جزءًا من هذه التقنيات للحفاظ على تدفق النفط العالمي.

وخلال الأسبوع الماضي، سُجلت عدة حوادث تبادل إطلاق نار في منطقة مضيق هرمز، بينها عمليات إطلاق إيرانية باتجاه سفن في الخليج الفارسي ومحيط المضيق. والليلة فقط، أُفيد في إيران عن سماع أصوات انفجارات في جنوب البلاد، فيما قالت وسائل إعلام محلية إن الأمر مرتبط بـ"إدارة العبور في المضيق".

وأعلنت إيران في الأيام الأخيرة ما وصفته بأنه إغلاق كامل لمضيق هرمز، على خلفية تبادل النار والضربات التي نُفذت داخل إيران. وأمس، نشرت وسائل إعلام إيرانية أن "أي سفينة لم تمر في مضيق هرمز خلال الساعات الـ96 الأخيرة".

وفي الولايات المتحدة والدول الغربية والعالم عمومًا، هناك ترقب لأن يُفتح مضيق هرمز فور توقيع اتفاق وقف الحرب مع الولايات المتحدة يوم الجمعة في سويسرا. ومع ذلك، أفادت "نيويورك تايمس" بأن ضمان عبور طبيعي وآمن للسفن في المضيق قد يحتاج على الأرجح إلى أسابيع.

وأمس، كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب: "السفن بدأت تتحرك، وكثير منها محمّل بالنفط، إلى خارج مضيق هرمز. إنها تبحر على طول المسار السريع الجنوبي، وهو آمن تمامًا ومؤمّن وخالٍ من أي تهديد. وهناك أيضًا مسارات بحرية إضافية".

وبين الحاجة إلى إبقاء النفط متدفقًا ومخاطر الاحتكاك مع إيران، تبدو واشنطن أمام مفارقة لافتة: تستخدم أساليب خصومها لتأمين شريان الطاقة العالمي، بينما ينتظر الجميع ما إذا كان اتفاق سويسرا سيعيد فتح المضيق أم يؤجل الانفجار فقط.