اللقاء، الذي أتى في إطار حملة "سوا منضل بخير"، فتح نقاشًا واسعًا حول دور الإعلام والمنصات الرقمية في تشكيل الخطاب العام خلال الأزمات، ولا سيما في ظل تصاعد المعلومات المضللة والسرديات التحريضية والانقسامات الاجتماعية المرتبطة بتداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان.
وأكد وزير الإعلام بول مرقص، في كلمته، أن مواجهة خطاب الكراهية لم تعد ترفًا فكريًا أو مناسبة أممية عابرة، بل باتت ضرورة ملحة تفرضها التداعيات الإنسانية والاجتماعية القاسية للحرب الإسرائيلية على لبنان، وما خلّفته من شهداء وجرحى ونزوح واسع وتدمير للقرى والمنازل والمعالم.
ورأى مرقص أن هذه التداعيات لا تبقى محصورة في الإطار السياسي، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي، حيث تسهم في تأجيج التشنجات وإظهار التنوع اللبناني بصورة سلبية، بعدما كان في الأصل ثروة وطنية إيجابية وراسخة.
ولفت إلى أن الخطاب الإعلامي العام بات أكثر تشنجًا، وأن آثاره تظهر في بعض وسائل الإعلام وبكثافة أكبر على منصات التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن وزارة الإعلام لا تملك، وفق القانون الحالي، سلطة رقابية مباشرة على هذه المنصات، لكنها تملك دورًا وطنيًا ومسؤولية أخلاقية لا يمكن التخلي عنهما، لأن تأجيج خطاب الكراهية يهدد الاستقرار الاجتماعي وقد يؤدي إلى أحداث أمنية.
وكشف مرقص أن استراتيجية الوزارة للحد من هذه الظاهرة تقوم على ثلاثة مسارات أساسية، أولها المسار التشريعي من خلال الدفع نحو إقرار قانون إعلام جديد، متطور وليبرالي، يحل محل القانون المعمول به منذ عام 1994، والذي لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية.
وأشار إلى أن مشروع القانون الجديد يضم نحو 130 مادة، وقد استغرق نقاشه في اللجان النيابية قرابة 15 عامًا، وأُقر أخيرًا في لجنة الإدارة والعدل، وهو حاليًا في اللجان المشتركة، موضحًا أنه يتضمن نصوصًا واضحة لتجريم خطاب الكراهية وفق المعايير الدولية، صيغت بالتعاون المباشر مع منظمة "اليونسكو".
كما أوضح أن القانون الجديد يقدّم تعريفًا قانونيًا واضحًا للإعلاميين، ويعزز مساحة حرية الصحافة، ويلغي التوقيف الاحتياطي للصحافيين بشكل مطلق، ويستبدل محكمة المطبوعات بغرف قضائية متخصصة، كما يستبدل العقوبات السجنية بالغرامات المالية، وينشئ هيئة وطنية مستقلة للإعلام تضم أهل الاختصاص وتتمتع بصلاحيات معيارية واضحة.
أما المسار الثاني، فيتمثل وفق مرقص في التنسيق مع المؤسسات الإعلامية، إذ عقدت الوزارة سلسلة اجتماعات مع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والإلكترونية، بهدف التركيز على القيم المهنية والأخلاقية والمعايير السليمة التي تخفض منسوب الانقسام الناجم عن الحرب.
ويقوم المسار الثالث على التوعية والتفاعل مع الجمهور، حيث أعلن مرقص إطلاق حملة توعوية تتضمن نحو 15 فيديو ولوحات إعلانية عامة، أُعدت بالشراكة مع جهات دولية ومحلية، من بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، و"اليونسكو"، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، و"اليونيسف"، وشركة "الصباح للإعلام".
وشدد مرقص على أن الهدف ليس قمع الآراء بل صونها، مؤكدًا أن الاختلاف السياسي وتنوع وجهات النظر أمر طبيعي وضروري في أي مجتمع ديمقراطي، وأن من حق كل مواطن التعبير عن رأيه إلى أقصى الحدود، لكن تحت سقف الشعار الذي ترفعه الحملة: "اختلفوا... بحبّ".
ونبّه إلى أن الحرية لا تستقيم بلا مسؤولية، وأن تخريب المجتمع بفعل الكراهية لن يترك مساحة لأحد كي يمارس حريته، داعيًا الإعلاميين والجمهور إلى تكريس معادلة تقوم على التعبير باحترام متبادل وحفظ كرامات الآخرين وحقوقهم وحرياتهم وشعائرهم الدينية وحرمة شهدائهم وخصوصياتهم العائلية.
وفي مداخلته، قال القائم بالأعمال بالإنابة لبعثة الاتحاد الأوروبي لدى لبنان سامي سعادي إن لبنان يمر بمرحلة مفصلية، وإن الاتحاد الأوروبي يعمل مع شركائه على مكافحة خطاب الكراهية وتعزيز التماسك الاجتماعي، مشيرًا إلى أن الشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سمحت بالوصول إلى نحو 5000 شخص في 38 مجتمعًا محليًا، من الشمال إلى الجنوب، عبر أنشطة الحوار والوساطة وبناء الثقة ومن خلال مبادرة "دوائر".
من جهتها، أكدت الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان بليرتا أليكو أن المعلومات المضللة والسرديات المفرقة قادرة على تعميق التوترات في لبنان، في ظل التداعيات المستمرة للنزاع، معتبرة أن تعزيز التواصل المسؤول بات أكثر أهمية من أي وقت مضى. وأشارت إلى أن حملة "سوا منضل بخير" تهدف إلى تعزيز التضامن والقيم الإنسانية المشتركة والخطاب العام البنّاء الذي يجمع المجتمعات بدل أن يفرقها.
وشهدت الحلقة نقاشًا شارك فيه الوزير مرقص، والأستاذة في الجامعة اللبنانية مهى زراقط، والإعلامية حليمة طبيعة، والمدير التنفيذي لمنظمة "سميكس" محمد نجم، والوسيطة الميدانية ريمي مخلوف، وأدارته الصحافية جويس حنا. وتركزت المداخلات على تأثير الإعلام والمنصات الرقمية في إدراك الرأي العام خلال الأزمات، وأهمية الصحافة الأخلاقية، والتحقق من المعلومات، والتغطية الحساسة للنزاعات، والحوار في الحد من التوترات وتعزيز الثقة.
وخلال النقاش، شدد مرقص على تلازم الحرية والمسؤولية، معتبرًا أن تدفق المعلومات يمثل ركيزة أساسية في المجتمع اللبناني، ولا ينبغي تقييده بسبب بعض النتائج السلبية الجانبية، بل المطلوب امتلاك الحكمة والدراية لتجنب المسارات السلبية من دون المساس بجوهر الحرية.
وكشف مرقص عن العمل على مشروع قانون لتعديل تسمية "وزارة الإعلام" لتصبح "وزارة التواصل"، موضحًا أن التغيير لا يقتصر على الاسم، بل يشمل تعديل الوظائف والمهام بما يتناسب مع التحولات الاتصالية الحديثة، وتعزيز التواصل مع المجتمع المدني ونشر القيم المشتركة.
وأشار إلى أن الوزارة نجحت في إنشاء "وحدة مكافحة الأخبار المضللة" لمواجهة ظاهرة الأخبار الزائفة، من خلال التحقق من صحة الأخبار ومصادرها عبر "الوكالة الوطنية للإعلام" باعتبارها مصدرًا رسميًا موثوقًا.
ورفض مرقص كل أشكال التمييز الديني أو العنصري أو الجندري، أو الدعوة إلى الفتنة والتحريض على العنف، مؤكدًا أن لكل حق حدودًا وإدارة، وأن غياب التعريفات الدقيقة للمصطلحات يفتح الباب أمام التجاوز والاعتداء على كرامات الآخرين وحقوقهم.
كما دعا إلى تطوير المناهج الجامعية، ولا سيما في الجامعة اللبنانية، لسد الفجوة بين التعليم الأكاديمي والممارسة المهنية، مشددًا على ضرورة اعتماد محاكاة واقعية للمهنة، ومنح خريجي كلية الإعلام ميزات تفضيلية في سوق العمل.
وجدد وزير الإعلام الدعوة إلى الإسراع في إقرار قانون الإعلام الجديد، الذي طال انتظاره لأكثر من 15 عامًا، معتبرًا أنه الركيزة الأساسية لاستعادة لبنان دوره الإعلامي المتقدم وتصحيح ترتيبه العالمي الذي تراجع إلى المرتبة 115.
وأكد أن دور الوزارة يجب أن يكون تواصليًا وتشاركيًا وتفاعليًا، يرتكز على الحملات التوعوية، ومتابعة شؤون المراسلين، وحفظ الأرشيف، بينما تبقى التجاوزات التي تخرج عن إطار حرية الرأي والتعبير ضمن اختصاص القضاء والنيابات العامة والأجهزة الأمنية المختصة، لا ضمن صلاحية الوزارة كمحقق أو حاكم.
وفي ختام اللقاء، دعا مرقص الأكاديميين والطلاب والإعلاميين إلى خوض "نضال فعلي" دعمًا لقانون الإعلام الجديد، مؤكدًا أنه يتضمن نصوصًا متقدمة تحمي الإعلاميين من التوقيف والحبس، وتضع أطرًا واضحة لمكافحة خطاب الكراهية الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي، مشددًا على أن السياسيين والجهات الفاعلة يتحملون مسؤولية مشتركة مع الإعلام في حماية السلم الأهلي.
وبذلك، تحوّلت حلقة النقاش من مناسبة أممية إلى محطة لإعادة طرح سؤال جوهري حول مستقبل الإعلام في لبنان: كيف يمكن حماية حرية التعبير، من دون ترك خطاب الكراهية والأخبار المضللة يهددان الثقة والسلم الأهلي في بلد خارج من حرب وانقسامات عميقة؟
Whatsapp Channel
https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h
on telegram
https://t.me/achrafieh_news
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا

Social Plugin