فتح توقيع التفاهم بين إيران والولايات المتحدة الأميركية بابًا واسعًا أمام مرحلة سياسية جديدة في المنطقة، لا تبدو بعيدة عن لبنان ولا عن جبهته الجنوبية. فالتفاهم، الذي حضرت فيه الإشارة إلى لبنان أكثر من مرة، لم يعد تفصيلًا دبلوماسيًا عابرًا، بل تحوّل إلى مادة نقاش أساسية حول مستقبل وقف إطلاق النار، وحدود قدرة واشنطن على الضغط على بنيامين نتنياهو، ومسار الانسحاب الإسرائيلي، وموقع لبنان في لعبة التوازنات الإقليمية بين طهران وواشنطن.
من هنا، يقرأ الكاتب والمحلل السياسي غسان ريفي، في حديث لـ"ليبانون ديبايت"، أبعاد هذا التفاهم وانعكاساته على لبنان، معتبرًا أن وقف إطلاق النار لم يعد منفصلًا عن المسار الإقليمي الأوسع، وأن ما جرى قد يمنح لبنان ورقة قوة جديدة، شرط عدم الانزلاق إلى مفاوضات مباشرة تستغلها إسرائيل لتعويم صورتها الداخلية أو لإظهار نفسها شريكة للسلطة اللبنانية في مواجهة حزب الله والمقاومة.
ويلفت ريفي الى انه يتبيّن من مضمون التوقيع الذي حصل أن لبنان حاضر في ملف وقف إطلاق النار، إذ ورد ذكره 3 مرات في الاتفاق، وهذا الأمر يجب أن يلتزم به بنيامين نتنياهو، إما رضائيًا وإما تحت ضغط وإجبار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
اما من يفرض على اسرائيل الالتزام ببنود الاتفاق فيجزم ريفي بأن الرئيس ترامب هو القادر على فرض هذا الأمر على رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، فعندما يكون المال أميركيًا، والسلاح أميركيًا، والدعم أميركيًا، والمخابرات أميركية، والتكنولوجيا أميركية، وعندما تكون كل هذه الإمكانات مسخّرة له ولحكومته، حتى من حلف شمال الأطلسي، يصبح من الصعب على نتنياهو أن يقرر وحده من دون أن يلتزم بما يُطلب منه.
نتنياهو امام 3 تحديات
ويقزل : رضائيًا، يمكن لترامب أن يفرض على نتنياهو وقف إطلاق النار، أما إذا اختار نتنياهو قلب الطاولة على الجميع والاستمرار في الحرب، فلا أستبعد حصول ذلك، لكنه عندها سيجد نفسه أمام 3 تحديات أساسية.
-التحدي الأول يتمثل في الغطاء الذي يوفره ترامب، والذي قد يرفعه عنه ويتركه وحيدًا في هذه الحرب.
-أما التحدي الثاني، فهو الرد الإيراني القاسي الذي وعد به المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء، إذ إذا لم يتوقف بنيامين نتنياهو، فقد يكون هناك رد قاسٍ ليس من إيران فحسب، بل ربما أيضًا من بعض الجبهات الداعمة للمقاومة.
-والتحدي الثالث، بحسب ريفي، فهو رد المقاومة التي بدأت منذ 3 أيام بإلحاق خسائر فادحة في صفوف الجيش الإسرائيلي، مشيرًا إلى أنه تم الإعلان أمس عن 5 إصابات، فيما هناك إصابات أخرى بالجملة لم يُعلن عنها، فضلًا عن المسيّرات ذات الألياف الضوئية التي باتت تستنزف الجيش الإسرائيلي.
ويرى أن نتنياهو سيجد نفسه في مواجهة المقاومة، وسيتعرض لحرب استنزاف، وحتى الآن لا يمكن الجزم بما إذا كانت إسرائيل ستتوقف خلال اليومين المقبلين، أو ما إذا كان ترامب سيتمكن من لجم نتنياهو، لكن المتوقع أن يتم التوجه نحو وقف إطلاق النار.
معضلة "السيادة اللبنانية"
ويشير ريفي إلى أن المعضلة الأساسية تبقى في تفسير بند الحفاظ على السيادة اللبنانية الوارد في مذكرة التفاهم، لافتًا إلى أن المذكرة لا تتضمن عبارات صريحة تتحدث عن الانسحاب، وإنما تتحدث عن الحفاظ على سيادة البلد ووحدة أراضيه، وهذا ما يفتح الباب أمام العديد من التأويلات، وقد يدفع إسرائيل إلى المماطلة.
ويضيف: تبيّن خلال اليومين الماضيين، من خلال التوغلات وعمليات الهدم واستمرار الاعتداءات، أن بنيامين نتنياهو كان يريد تكريس وجود الجيش الإسرائيلي في الأراضي التي سيطر عليها، وفرض أمر واقع يستطيع الاستفادة منه خلال مهلة الـ60 يومًا.
ويرى ريفي أن هذا الأمر سيواجه صعوبات كبيرة، لأن نتنياهو سيتمسك بأي تفصيل يمكن أن يقدمه للمجتمع الإسرائيلي على أنه إنجاز يحافظ من خلاله على أمن المستوطنات واستقرارها، وأن هذا الوجود الإسرائيلي يصب في مصلحة المجتمع الإسرائيلي.
ويتوقع أن يدفع الجانب الإيراني ، خلال مهلة الـ60 يومًا، باتجاه إلزام نتنياهو بالانسحاب، لكن الأمور تبقى مرهونة بالأخذ والرد بين الإيرانيين والأميركيين، فإذا نجحت المفاوضات، فإن الأميركي قادر على الضغط على نتنياهو من أجل الانسحاب، أما إذا لم تنجح، فقد يتحول لبنان إلى ورقة مناورة أو ورقة مقايضة في هذا الملف.
وعن احتمال استكمال المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن لا سيما مع ما اعلنه الرئيس ترامب حول زيارة الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي الى واشنطن، وما اذا كان هناك من فصل لمسار لبنان عن مسار اسلام آباد ؟ يقول ريفي: لم تعد هناك إمكانية لفصل المسار اللبناني عن مسار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية.
ويضيف: أن جلسات المفاوضات المباشرة في واشنطن لم تنتج أي تراجع إسرائيلي، ولا أي وقف لإطلاق النار، ولا انسحاب، ولا حتى تخفيفًا في حدة التصعيد، بل على العكس، ازدادت إسرائيل وحشية وتدميرًا وتجريفًا وقتلًا للمدنيين اللبنانيين.
ايران من اوقفت اطلاق النار
ويشدد ريفي على أن إيران، وقطعًا للشك باليقين، هي التي أوقفت إطلاق النار في لبنان، شاء من شاء وأبى من أبى. فمن يريد أن يقول ذلك علنًا فليفعل، ومن يريد أن يقوله مواربة فليفعل، ومن يستحي من قوله أو يعبّر عنه بشكل غير مباشر فالأمر يعود إليه، لكن في النهاية نجحت إيران في فرض وقف إطلاق النار.
ويتابع: بما أن لبنان كان يطالب بوقف إطلاق النار من الجانب الإسرائيلي، أعتقد أن الذهاب إلى مفاوضات مباشرة بات لزوم ما لا يلزم، لأن ما كان يسعى لبنان إلى تحقيقه من خلال هذه المفاوضات قد حصل عليه. وأصبح لبنان قادرًا على أن يحاول التفاوض مع إسرائيل بشكل غير مباشر، وهو يمتلك ورقة قوة تتمثل بوقف إطلاق النار، إلى جانب موضوع الانسحاب والحفاظ على السيادة اللبنانية الذي تضمنته مذكرة التفاهم.
لا ضرورة للمفاوضات المباشرة
ويرى ريفي ان لم يعد من ضرورة للذهاب إلى مفاوضات مباشرة، لأن ذلك قد يمنح إسرائيل مزيدًا من التعبئة الداخلية، وقد يغطي على فشلها من خلال القول إنها لا تزال تفاوض لبنان وتجتمع مع لبنان وتتحدث عن اتفاقات ثنائية.
ويضيف:" ما حصل يناقض بشكل كامل مسار مفاوضات واشنطن التي أرادت إسرائيل من خلالها أن توحي بأنها شريكة للسلطة اللبنانية في مواجهة حزب الله والمقاومة، وأن هناك عدوًا مشتركًا بين السلطة اللبنانية وإسرائيل، وهذا أمر لا أعتقد أن أحدًا يستطيع تحمل تداعياته.
وختم ريفي: إذا كانت إسرائيل تستغل اعتداءاتها على لبنان للإيحاء بمثل هذه الأمور أو لتضمين البيانات عبارات من هذا النوع، بما قد يؤدي إلى فتنة داخلية، فإن وقف إطلاق النار الذي جاء من إيران من شأنه أن يحول دون هرولة السلطة اللبنانية إلى اتفاقات أو مفاوضات مباشرة تهدد وحدة البلد.
https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h
on telegram
https://t.me/achrafieh_news
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا

Social Plugin