كتب العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال
في الخامس والعشرين من أيار، لا يستعيد اللبنانيون مجرد محطة زمنية عابرة في تاريخ الصراع مع إسرائيل، بل يستحضرون لحظة تأسيسية في الوعي الوطني الحديث؛ لحظة أثبت فيها شعب صغير، بإرادته وتضحياته، أن الاحتلال ليس قدراً أبدياً، وأن موازين القوة التقليدية لا تكفي وحدها لصناعة النصر أو تثبيت الهيمنة. لقد شكّل انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، بعد احتلال دام عقوداً، حدثاً مفصلياً في التاريخ العربي المعاصر، ليس فقط لأنه أول انسحاب إسرائيلي غير المشروط من أرض عربية تحت ضغط المقاومة المسلحة، بل لأنه دشّن لتحول استراتيجي عميق في مفهوم القوة في المنطقة.
لقد جاء ذلك الانسحاب نتيجة حرب استنزاف طويلة اعتمدت فيها المقاومة اللبنانية أساليب القتال اللامتماثل، مستندة إلى بيئة اجتماعية حاضنة، وإلى إرادة صلبة ترى في التحرير حقاً طبيعياً لا يقبل المساومة. ومن هنا، فإن عيد المقاومة والتحرير لم يكن يوماً احتفالاً عاطفياً مجرداً، بل كان إعلاناً عن انتصار مفهوم الإرادة على مفهوم التفوق العسكري الصرف.
ثم جاءت حرب تموز 2006 لتؤكد أن ما تحقق عام 2000 لم يكن حادثة ظرفية، بل تعبيراً عن معادلة استراتيجية جديدة. فعلى الرغم من التفوق الجوي والتكنولوجي الإسرائيلي الهائل، عجزت إسرائيل عن تحقيق أهدافها المعلنة، وفشلت في كسر بنية المقاومة أو فرض شروطها السياسية. بل إن المقاومة استطاعت، عبر تكتيكاتها الميدانية، أن تنقل المعركة من مستوى الدفاع السلبي إلى مستوى الإنهاك الاستراتيجي للخصم، وكان استهداف البارجة “ساعر 5” لحظة رمزية كبرى أظهرت هشاشة التفوق حين يواجه إرادة قتالية منظمة وابتكاراً عملياتياً متقدماً.
*إن القراءة الأكاديمية* لهذه التجارب تضعنا أمام حقيقة جوهرية طالما أكدها كبار المنظرين العسكريين. فـ”كارل فون كلاوزفيتز” رأى أن الحرب ليست مجرد صدام عسكري، بل استمرار للسياسة بوسائل أخرى، وأن العامل المعنوي يشكل أحد أعمدة القوة الحقيقية. أما “ماو تسي تونغ” و”فو نغوين جياب” فقد رسّخا مفهوم الحرب الشعبية طويلة الأمد، حيث يتحول الزمن إلى عنصر استنزاف ضد القوة التقليدية المتفوقة. وفي السياق نفسه، طوّر المفكر العسكري الأميركي “جون بويد” مفهوم إنهاك دورة القرار لدى الخصم، بحيث يصبح التفوق التقني عاجزاً عن مواكبة المبادرة الميدانية المرنة.
*وفي التجربة اللبنانية*، ظهرت هذه المفاهيم بوضوح. فالمقاومة لم تخض حرباً كلاسيكية قائمة على السيطرة المكانية الواسعة، بل اعتمدت على المرونة، والمباغتة، والضربات الدقيقة، والتراكم العملياتي طويل النفس. وهذه السمة تحديداً هي ما يجعل القتال اللامتماثل أحد أكثر أشكال الصراع تعقيداً بالنسبة للجيوش النظامية الحديثة.
اليوم، وفي ظل التطورات الدامية التي يعيشها لبنان والمنطقة منذ عام 2024، يكتسب عيد المقاومة والتحرير بعداً أكثر عمقاً وألماً. فالمشهد الراهن، بما يحمله من اغتيالات ودمار وتهجير واسع واستهداف للبنى المدنية والبشرية، يضع اللبنانيين أمام اختبار وجودي يتجاوز الحسابات السياسية اليومية. ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن سيادتها لا تتخلى بسهولة عن سرديتها الوطنية، ولا تتنازل عن حقها في مقاومة الاحتلال والاعتداء.
*وفي القانون الدولي*، لا يُعد حق الشعوب في مقاومة الاحتلال بدعة سياسية أو مفهوماً دعائياً، بل هو مبدأ كرسته الشرائع الدولية ذاتها. فقد أكدت مواثيق الأمم المتحدة، وخصوصاً المادة الأولى المتعلقة بحق تقرير المصير، كما أكدت قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، شرعية نضال الشعوب الواقعة تحت الاحتلال من أجل تحرير أراضيها. وقد جاء البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف عام 1977 ليمنح حروب التحرر الوطني وضعاً قانونياً ضمن النزاعات الدولية المسلحة، بما يعكس اعترافاً دولياً بأن مقاومة الاحتلال ليست خروجاً على القانون، بل ممارسة لحق أصيل تكفله الشرعية الدولية.
ومن هنا، فإن قيمة عيد المقاومة والتحرير لا تنبع فقط من كونه ذكرى انتصار عسكري، وتحرير وطن ،بل من كونه تعبيراً عن تمسك شعب بحقه الطبيعي في الحرية والسيادة والكرامة الوطنية. ولذلك يبدو هذا العيد، بالنسبة لكثير من اللبنانيين، عيداً “معمداً بالدم”، لأن الشهداء لم يكونوا مجرد أرقام في معادلات الصراع، بل كانوا ركائزاً لبقاء الوطن نفسه.
أما على *المستوى الاستراتيجي* الراهن، فإن ما يجري في الجنوب اللبناني يعكس تطوراً مستمراً في أدوات القتال غير المتناظرة. فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الكثافة النارية التقليدية، بل على المرونة التكنولوجية والقدرة على إرباك العمق الأمني للخصم. وقد أظهرت المواجهات الأخيرة تصاعد دور الوسائط المسيّرة والانقضاضية، والطائرات الصغيرة ذات الكلفة المنخفضة والأثر المرتفع، في إعادة تعريف مفهوم الردع. فهذه الوسائل لا تستهدف فقط المواقع العسكرية، بل تضرب اليقين النفسي لدى المجتمع الإسرائيلي، وتهز فرضيات “المناطق الآمنة” و”الأحزمة العازلة”، وتفرض معادلة جديدة يصبح فيها العمق مكشوفاً أمام أدوات منخفضة الكلفة وعالية الفعالية.
وهنا تحديداً تتجلى إحدى أهم سمات الحرب اللامتماثلة: تحويل نقاط ضعف الطرف الأضعف مادياً إلى عناصر قوة استراتيجية. فحين تصبح التكنولوجيا البسيطة قادرة على استنزاف أنظمة دفاعية بمليارات الدولارات، يتحول التفوق التقليدي إلى عبء اقتصادي ونفسي متراكم.
إن عيد المقاومة والتحرير هذا العام لا يأتي في ظرف هادئ أو مستقر، بل يحل على لبنان والمنطقة وسط عواصف غير مسبوقة. لكنه، رغم كل الجراح، يبقى مناسبة للتأكيد أن الأوطان لا تُبنى بالخوف، وأن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحياة الحرة قادرة دائماً على إعادة إنتاج عناصر صمودها. فالتاريخ لا يخلّد الأقوى تسليحاً فقط، بل يخلّد أيضاً أولئك الذين امتلكوا الإرادة، وصبروا، ورفضوا أن تتحول أوطانهم إلى ساحات مستباحة.
*وفي النهاية*
، قد تختلف القراءات السياسية، وقد تتباين المقاربات حول الخيارات والاستراتيجيات، لكن ما لا يمكن إنكاره أن الخامس والعشرين من أيار سيبقى في الذاكرة اللبنانية والعربية رمزاً لتحول تاريخي أثبت أن الاحتلال يمكن أن يندحر، وأن الإرادة الشعبية حين تتجذر في الأرض والهوية تصبح قوة يصعب كسرها أو تجاوزها.

Social Plugin