كتب العميد الركن د.بهاء حسن حلال
كيف تعيد المسيّرات الصغيرة رسم ملامح الصراع
مدخل: لحظة تحوّل لا تُفهم إلا متأخرة
في مسار الحروب، تظهر أحياناً أحداث تبدو محدودة، لكنها في الواقع تغيّر قواعد اللعبة.
ما جرى مؤخراً في جنوب لبنان يمكن وضعه ضمن هذا الإطار.
مسيّرة انقضاضية بسيطة، زهيدة الكلفة، قلبت عملية عسكرية منظمة إلى مشهد دموي موثق، كاشفة هشاشة غير متوقعة في منظومة يُفترض أنها متفوقة.
القضية هنا ليست في عدد الإصابات بحد ذاته، بل في ما يعكسه الحدث: خلل عميق في القدرة على السيطرة الميدانية.
عندما تصبح عمليات إجلاء الجرحى محفوفة بالمخاطر، وعندما تُستهدف وسائل متقدمة بكلفة عالية بأدوات بدائية نسبياً، فهذا مؤشر على تحول يتجاوز التكتيك إلى مستوى استراتيجي.
أولاً: قراءة في الواقع الميداني
المعطيات المتداولة تشير إلى تصاعد ملحوظ في وتيرة العمليات الدقيقة مقابل محدودية التأثير المقابل في تحقيق أهداف واضحة.
في المقابل، يبرز نمط من الضربات التي تعتمد على الاستنزاف أكثر من الحسم، ما يضع الطرف الأقوى نظرياً في موقع دفاعي غير مريح.
الأهم من ذلك أن الكلفة لم تعد تُقاس فقط بالخسائر المباشرة، بل بتآكل القدرة على المبادرة.
عندما يُجبر جيش متقدم على تعديل إجراءاته باستمرار لمواجهة تهديدات صغيرة الحجم، فإن ذلك يعكس خللاً في التوازن العملياتي.
ثانياً: تحوّل تكتيكي تقوده أدوات بسيطة
المسيّرات الانقضاضية ليست ابتكاراً جديداً، لكن طريقة توظيفها هي ما أحدث الفرق.
الاستخدام الحالي يقوم على عناصر مترابطة:
-استهداف نقاط الضعف بدقة، خصوصاً خلال اللحظات الحساسة
-تنفيذ هجمات متزامنة تربك أنظمة الدفاع
-الاعتماد على معلومات مسبقة حول التحركات
-اختيار توقيت الضربة بعناية عالية
هذا النمط من القتال يقلّص فعالية أنظمة الدفاع التقليدية المصممة لمواجهة تهديدات أكبر حجماً وأسرع حركة.
النتيجة أن التفوق التكنولوجي لا يترجم دائماً إلى سيطرة فعلية على الأرض.
ثالثاً: أبعاد أوسع من الميدان
تمديد فترات التهدئة أو التأجيلات العسكرية لا يحدث عادة بمعزل عن حسابات أعمق.
غالباً ما يرتبط ذلك بإعادة ترتيب القدرات أو انتظار ظروف أكثر ملاءمة.
في هذا السياق، يبرز عامل الزمن كعنصر ضاغط على جميع الأطراف. فكل تأخير يفتح المجال لتغيرات في:
-الوضع الاقتصادي الإقليمي والدولي
-التوازنات السياسية الداخلية
مستوى الجاهزية العسكرية
-تطور الأساليب القتالية لدى الأطراف غير التقليدية
بكلمات أخرى، الصراع لم يعد محكوماً فقط بالقوة المباشرة، بل أيضاً بقدرة كل طرف على تحمّل الاستنزاف والتكيّف مع المتغيرات.
في المحصلة: واقع جديد يتشكل
ما يتضح تدريجياً هو أن نماذج القتال التقليدية تفقد جزءاً من فعاليتها أمام أدوات مرنة ومنخفضة الكلفة. هذا لا يعني اختفاء التفوق العسكري الكلاسيكي، لكنه لم يعد كافياً وحده لحسم المواجهات.
المشهد الحالي يعكس معادلة أكثر تعقيداً:
التكنولوجيا المتقدمة تواجه تكتيكات بسيطة لكنها ذكية
القوة النارية الكبيرة تقابلها مرونة ميدانية عالية
الحسم السريع يتراجع لصالح صراعات طويلة النفس
سيناريوهات محتملة
من الصعب الجزم بمسار واحد، لكن يمكن تصور اتجاهين رئيسيين:
حرب واسعة: محاولة فرض تغيير سريع في موازين القوى، مع مخاطر عالية وتكلفة كبيرة
استنزاف ممتد: صراع طويل يعتمد على إنهاك العدو تدريجياً.
الفكرة الأساسية
الدرس الأبرز هنا أن طبيعة الحروب تتغير باستمرار. أدوات صغيرة نسبياً قادرة اليوم على إحداث تأثير كبير، ليس لأنها متفوقة تقنياً، بل لأنها تُستخدم بطرق غير تقليدية.
في النهاية، لا تُحسم الصراعات فقط بحجم القوة، بل بمدى القدرة على التكيّف، واستيعاب التحولات، واستغلال نقاط الضعف في الوقت المناسب

Social Plugin