النهار
مع أن "الاحتكار" الأميركي لملف التفاوض اللبناني الإسرائيلي، والذي تكرّس في مذكرة "تفاهم 16 نيسان" الذي صدر عن وزارة الخارجية الأميركية معلناً وقف النار عقب لقاء السفراء في واشنطن الأسبوع الماضي، لا يسمح بتوقّع اختراقات لأدوار ديبلوماسية أخرى ولو كالدور الفرنسي، فإن "اليوم الأوروبي الفرنسي" الذي أمضاه أمس رئيس الحكومة نواف سلام بين لوكسمبورغ وباريس بدا بمثابة إعادة ترسيم لمكانة الدور الفرنسي على شاشة الأزمة اللبنانية وما يمكن أن يشكله من محفّز ومساعد على التسوية المفترضة لاحقاً. ذلك إن التمديد للهدنة المعلنة، على رغم ازدياد معالم هشاشتها على الجبهة الجنوبية، كان في صلب لقاءات سلام مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمسؤولين في الاتحاد الأوروبي، كما أن إجراءات دعم لبنان وجيشه للتمكن من التزام حصرية السلاح ونزع سلاح "حزب الله" كانت في صدارة الأولويات التي تناولتها المحادثات، علماً أن جرعة دعم مهمة تلقاها لبنان من خلال تخصيص الاتحاد الأوروبي مساعدات إنسانية للبنان بقيمة مئة مليون يورو. وتزامن ذلك مع استعدادات لبنان لانعقاد الاجتماع اللبناني – الإسرائيلي الثاني على مستوى السفراء الخميس في الخارجية الأميركية، علماً أن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى توجّه أمس إلى واشنطن للمشاركة في الاجتماع إلى جانب سفيرة لبنان في الولايات المتحدة الأميركية ندى حمادة معوّض والسفير الإسرائيلي يحئيل ليتر برعاية وزارة الخارجية الأميركية.
وسيشكّل اللقاء الثاني بين السفيرين محاولة لتمديد حالة وقف النار بين لبنان وإسرائيل للانطلاق في جولات من المفاوضات الموسّعة بين الدولتين. وستبلغ السفيرة اللبنانية في واشنطن موقف الدولة اللبنانية الذي يطلب تمديد حالة وقف النار والاتفاق على كيفية تنفيذها والالتزام بها ووقف الخروقات والأخذ في الاعتبار الأوضاع الإنسانية، بما فيها عودة الحياة الطبيعية إلى قرى الجنوب اللبنانيّ. وتحدثت معلومات عن أن لا شيء محدداً بعد، في شأن ما تردّد عن زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون إلى واشنطن، لكن هذا لا يعني أنها غير واردة.
وعقد ماكرون مساء اجتماعاً مطولاً مع سلام في قصر الاليزيه أتبعاه بمؤتمر صحافي مشترك شدّد فيه الرئيس الفرنسي على أنه "يجب تمديد الهدنة بين لبنان وإسرائيل لانطلاق المفاوضات، كما يجب انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ونزع سلاح حزب الله ضمن إطار لبناني". وأكد أن "فرنسا ستستمر بالوقوف إلى جانب لبنان وستدعم النازحين وستلتزم بعملية إعادة بناء المناطق التي دمرتها الغارات".
وقدّم الرئيس سلام تعازيه بالجندي الفرنسي الذي قتل في جنوب لبنان، وقال: "نواجه حرباً فرضت علينا ولم نخترها، وطلبت من القضاء متابعة موضوع مقتل الجندي الفرنسي من اليونيفيل ومعاقبة الفاعلين".
وأوضح "أننا تحدثنا والرئيس ماكرون عن ضرورة الحفاظ على الهدنة وعن مؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية، فلبنان يحتاج إلى 500 مليون يورو لمواجهة الأزمة الإنسانية في الاشهر الستة المقبلة". وشدّد على أننا سنواصل اتباع مسار الديبلوماسية من خلال محادثات مباشرة مع إسرائيل والمفاوضات ستكون شاقة وسنحتاج إلى دعم فعّال من الشركاء". وقال إن "لا دولة وسيادة بوجود أكثر من جيش، ولا نسعى إلى مواجهة مع حزب الله ولكننا لن نسمح له بترهيبنا".
وقبيل لقاء الرئيس ماكرون ورئيس الحكومة نواف سلام، لفتت مصادر مسؤولة في الرئاسة الفرنسية إلى أن لقاء ماكرون وسلام يجري "في مرحلة حاسمة بعدما جرّ "حزب الله" لبنان إلى الحرب والهجوم على إسرائيل والالتحاق بالحرب الإقليمية. واعتبرت "أن عمل حزب الله كان خطأ استراتيجياً لجرّ لبنان إلى حرب أوسع، واليوم هناك وقف إطلاق نار موقت تم بعد أسابيع عدة من عمليات عسكرية إسرائيلية مكثفة وهجوم "حزب الله" على شمال إسرائيل، وهي عمليات قد انهكت لبنان، والتحدي الآن هو معرفة ما إذا كان يمكن تمديد وقف النار المقرر لمدة عشرة أيام، وفي هذه الفترة الحاسمة دعم السلطات اللبنانية لإطلاق دينامية أكثر استدامة للأستقرار.
وأكدت المصادر الفرنسية أن فرنسا تدعم الجيش اللبناني من أجل تمكينه من ضمان الأمن أينما كان في البلد، وأن مؤتمر دعم الجيش الذي كان مقرراً من فرنسا في آذار الماضي ما زال مطروحاً. وشددت على أن فرنسا ستبقى إلى جانب اللبنانيين بعد انسحاب اليونيفيل من لبنان ولكن في إطار ينبغي التفكير فيه مع لبنان وشركاء آخرين، وقد بدأ البحث بهذا الموضوع وفرنسا محرّك في هذا النقاش مع شركاء آخرين.
وألقى الرئيس سلام، كلمة أمام مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، لفت فيها إلى "أن حكومتي ملتزمة باتباع مسار واضح ومسؤول للخروج من النزاع الراهن. وفي هذا السياق، انخرط لبنان مؤخرًا، وبحسن نية، في محادثات تحضيرية مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية في واشنطن، وبالنسبة لنا، فإن خيار الديبلوماسية ليس علامة ضعف، بل هو تعبير عن مسؤولية وطنية تهدف إلى عدم ترك أي مسار غير مستكشف لاستعادة سيادة بلدنا وحماية شعبه".
وقال: "هدفنا ليس انخراطًا رمزيًا، بل على العكس، نحن مصممون على اغتنام هذه الفرصة للعمل نحو حل دائم، وتسعى حكومتي، من خلال هذا المسار الديبلوماسي، إلى إنهاء الاحتلال، وضمان الإفراج عن أسرانا، وتأمين عودة النازحين إلى منازلهم وقراهم. إضافةً إلى ذلك، فإن إرادتنا في تكريس احتكار الدولة للسلاح، ووضع حدٍ للتدخلات الإقليمية في شؤوننا الداخلية، يجب ألا تكون موضع تساؤل بعد اليوم".
وفي السياق، شدّد الرئيس عون أمس على أن "المفاوضات المباشرة"، خياره، لافتاً إلى أنّ "المفاوضات لا تعني التنازل ولا الاستسلام، بل هي لحل المشاكل، ومن المهم أن يقف اللبنانيون إلى جانب دولتهم في هذا الظرف بالذات، وهم تعبوا من هذه الحروب. وواجبي ومسؤوليتي أن أبذل كل ما يلزم لتحقيق الأمن والسلام للبنان".
وتلقى عون اتصالاً هاتفياً من أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي أكد للرئيس عون دعمه "لمواقفه، وللخطوات التي اتخذها لوقف التصعيد العسكري، وفي مقدمها المفاوضات الثنائية المباشرة التي تهدف إلى وقف الأعمال العسكرية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تحتلها في الجنوب وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الجنوبية، وغيرها من النقاط التي تحقق بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها".
وفي المواقف الداخلية، شدد الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عقب لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، أن "علينا ايجاد الوسائل الملائمة لتثبيت قرار وقف النار"، مؤكداً ضرورة بقاء اليونيفيل في جنوب لبنان والحفاظ عليها". وقال: "في المرة السابقة ذكرت تعبير "المحنة الكبرى" وازدادت تلك المحنة الكبرى، وبالنسبة إليّ وإلى الرئيس نبيه بري أقصى ما نستطيع تقديمه في التفاوض هو العودة إلى اتفاق الهدنة بصيغة جديدة".
على الصعيد الميداني، جدّد الجيش الإسرائيلي إنذاره إلى أكثر من 55 بلدة بعدم العودة، وواصل تفجير المنازل والبنى التحتية في قرى بيت ليف، وشمع، والبياضة، والناقورة وطيرحرفا، حيث أقدم على تفخيخ عدد كبير من الأحياء السكنية والمنازل وسواها بالأرض. كما شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارة بصاروخين استهدفت وادي الحجير. وأعلن الجيش الإسرائيلي مساء أمس أن حزب الله أطلق قذائف صاروخية عدة نحو قواته العاملة جنوب "خط الدفاع الأمامي" في منطقة رب الثلاثين وهاجم على الاثر منصة الإطلاق، كما جرى اعتراض مسيّرة في كفاريوفال أطلقت من لبنان، واعتبر الجيش الإسرائيلي أن هذه "خروقات فاضحة لاتفاق وقف النار"

Social Plugin