كتب العميد الركن
الدكتور بهاء حلال
بين ١٨ نيسان ١٩٩٦
و
١٨ نيسان ٢٠٢٦
في الثامن عشر من نيسان/أبريل 1996، شكّلت مجزرة قانا ذروة دامية لعملية عملية عناقيد الغضب التي شنّتها إسرائيل على جنوب لبنان. وقد رسّخت تلك الواقعة نقاشًا طويلًا في الأدبيات الاستراتيجية والقانونية حول حدود استخدام القوة، وإشكاليات التمييز والتناسب ضمن سياق القانون الدولي الإنساني.
بعد ثلاثة عقود تقريبًا، وفي 18/ نيسان/ 2026، يأتي اليوم الثالث لوقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني في سياق مختلف من حيث الأدوات والتقنيات، لكنه يثير تساؤلات متشابهة حول أنماط السلوك العسكري واستمرارية بعض المقاربات العملياتية. فالتقارير عن تدمير واسع في بلدات مثل بنت جبيل والخيام ورشاف والطيبة تُطرح ضمن إطار تحليل أوسع يتجاوز الحدث التكتيكي إلى دراسة البُنى الاستراتيجية التي تحكم استخدام القوة.
من منظور نظري، يمكن قراءة هذه الوقائع عبر عدسة “استراتيجية الردع بالعقاب” (Deterrence by Punishment)، حيث لا يقتصر الهدف على تحييد قدرات الخصم العسكرية، بل يمتد إلى التأثير في البيئة الحاضنة له. هذه المقاربة، المرتبطة بأعمال توماس شيلينغ، تفترض أن رفع كلفة الصراع على الخصم—بما يشمل البنية التحتية والمجتمع—قد يغيّر سلوكه الاستراتيجي. في هذا السياق، يصبح تدمير القرى أو الضغط على المجال المدني جزءًا من رسالة ردعية أوسع، حتى لو كان ذلك موضع جدل قانوني وأخلاقي.
في المقابل، تطرح نظرية “الحرب" قيودًا على هذا النمط من السلوك، إذ تفترض ضرورة ضبط استخدام القوة ضمن أهداف سياسية واضحة وتجنّب التصعيد غير المنضبط. وهنا يظهر التوتر بين الاعتبارات العسكرية المباشرة والقيود التي تفرضها الأمم المتحدة عبر مبادئ التناسب والتمييز.
-المقارنة بين 1996 و2026 تكشف عنصرين أساسيين: الاستمرارية والتحول.
الاستمرارية تتمثل في اعتماد أدوات ضغط تتجاوز الأهداف العسكرية الصرفة، وفي توظيف مفهوم ما يسمى “الدفاع عن النفس” اي الدفاع عن المنطقة الشمالية ( المستعمرات) لتبرير عمليات قتل وتهجير وتغيير ديمغرافي واسعة النطاق.
أما التحول فيكمن في تطور وسائل الاستهداف، ودقة النيران، وتزايد حضور الخطاب القانوني غير المحق والإعلامي المتحيز في إدارة الصراع.
مع ذلك، لا يمكن إغفال أن توصيف هذه الأفعال على انها حتما “سلوك إجرامي” وليست “ضرورة عسكرية” وهذا ما يعكس انقسامًا أعمق في تفسير قواعد القانون الدولي. فبينما ترى بعض المقاربات أن استهداف البيئة المدنية يندرج ضمن استراتيجيات الضغط غير المباشر، تعتبره أخرى انتهاكًا جرميا صريحًا لقواعد النزاعات المسلحة.
في اليوم الثالث لوقف إطلاق النار، تبرز مفارقة أساسية: فبينما يُفترض أن يشكّل وقف الأعمال القتالية لحظة تهدئة وإعادة تقييم، فإن آثاره الميدانية—وخاصة الدمار الواسع—تتحول إلى جزء من معادلة الردع المستقبلية. وهنا يتقاطع الماضي مع الحاضر، حيث تعود ذاكرة مجزرة قانا ليس فقط كحادثة تاريخية، بل كمرجعية تحليلية لفهم أنماط القوة، وحدودها، وإشكالياتها المستمرة في النزاعات غير المتكافئة.
إن قراءة هذه الأحداث ضمن إطار استراتيجي لا تعني تبريرها، بل محاولة فهم منطقها الداخلي، وحدود هذا المنطق في ضوء التحولات الدولية. وبين الاستمرارية والتغير، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تطورت قواعد استخدام القوة فعلًا، أم أن الأدوات فقط هي التي تغيرت بينما بقيت الغايات على حالها؟

Social Plugin