كتب العميد الركن الدكتور بهاء حلال ومن منظور عسكري وجيوسياسي:
جنوب لبنان بين نار العمليات وظلال الدعاية: من يملك الأرض فعلاً؟
ليس من السهل الفصل بين ما يُعرض في الإعلام وبين ما يجري فعلياً على الأرض في جنوب لبنان، خصوصاً عندما تُستخدم الخرائط كأداة لإيصال رسائل تتجاوز معناها العسكري المباشر. فالخريطة التي عمّمها الجيش الإسرائيلي، والتي حدد فيها نطاقاً أطلق عليه : الخط الاصفر “خط الدفاع المتقدم”، تبدو أقرب إلى إطار عملياتي مرن منها إلى توصيف دقيق لسيطرة ميدانية مستقرة.
في هذا السياق، من المهم التمييز بين “نطاق النشاط العسكري” و“الاحتلال الفعلي”. فإدراج قرى ضمن منطقة عمليات لا يعني بالضرورة إخضاعها أو تثبيت وجود دائم فيها، بل قد يشير ببساطة إلى أنها تقع ضمن مدى التحرك أو الاستهداف. هذا الفرق غالباً ما يتم تجاهله أو طمسه في الخطاب الإعلامي، حيث تتحول المساحات الرمادية إلى وقائع حاسمة في السرد.
وقد ظهر هذا بوضوح في تضخيم الأرقام المتداولة حول عدد القرى التي تم التوغل فيها. فبعد أن كانت المعطيات تشير إلى نقاط محدودة على الشريط الحدودي، ان كان في النسق الاول او النسق الثاني، جرى توسيع الرواية لتشمل عشرات القرى، دون أن يواكب ذلك دليل ميداني متماسك. وهذا النوع من التوسّع في الأرقام يعكس، في كثير من الأحيان، حاجة دعائية أكثر مما يعكس تحولاً عسكرياً فعلياً.
وعند العودة إلى السياق الأوسع، يتبين أن العمليات البرية لم تكن بداية المشهد، بل جاءت بعد فترة من الاستهداف المكثف الذي طال مناطق واسعة من لبنان. من هنا، فإن تقديم التوغل البري كتحول نوعي منفصل عن هذا المسار يغفل أن ميزان الضغط كان قائماً أصلاً قبل أي تقدم ميداني مباشر.
ميدانياً، تبرز إشكالية أخرى تتعلق بالفارق بين “التوغل” و“التمكين”او التثبيت او السيطرة. ففي عدد كبير من البلدات الأساسية، لم تتمكن القوات الإسرائيلية من تثبيت حضور دائم داخل المراكز الحيوية، رغم محاولات متكررة. وبقيت هذه المناطق ضمن حالة اشتباك مفتوح حتى اللحظات الأخيرة، ما يشير إلى أن السيطرة، بمعناها العسكري الكامل، لم تتحقق.
كما أن إدراج قرى ومناطق لم تشهد مواجهات فعلية ضمن نطاق العمليات يعكس تعميماً جغرافياً أكثر منه توصيفاً دقيقاً. فالقرب من الحدود قد يكون كافياً لإدراج أي بلدة ضمن الخريطة، حتى وإن لم تكن مسرحاً لعمليات قتالية مباشرة.
ومن المؤشرات اللافتة أيضاً أن بعض التحركات الإسرائيلية اتخذت طابعاً استعراضياً، من خلال تنفيذ عمليات سريعة أو رمزية دون تثبيت مواقع دائمة. وهذا يعزز فكرة أن جزءاً من الحضور العسكري كان يهدف إلى إرسال رسائل، بقدر ما كان يسعى لتحقيق أهداف ميدانية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل الأثر الفعلي للعمليات، وخصوصاً على مستوى التدمير الواسع للقرى الحدودية. فحتى في غياب سيطرة مستقرة، أدت عمليات القصف والتجريف إلى تغيير معالم هذه المناطق بشكل جذري، ما جعلها في كثير من الحالات غير صالحة للسكن في المدى القريب.
أما ما يُتداول حول توغل بعمق يصل إلى اكثر من 10 كيلومترات، فيبدو أقرب إلى التباس في التعريف: فبينما لا توجد مؤشرات على سيطرة مستمرة بهذا العمق، فإن القدرة النارية الإسرائيلية وصلت بالفعل إلى مسافات أبعد من نقاط التماس، وهو ما يفسر التفاوت في التقديرات.
إضافة تحليلية (عسكرية):
من منظور عسكري بحت، يمكن قراءة هذه الخريطة كجزء من عقيدة “المنطقة العازلة بالنار”، حيث لا يكون الهدف بالضرورة السيطرة المباشرة على الأرض، بل منع الخصم من استخدامها عبر جعلها مكشوفة ومهددة باستمرار. هذا النوع من العمليات يعتمد على التفوق الناري والاستطلاع أكثر من اعتماده على الانتشار البري الكثيف، وهو ما يفسر الجمع بين توغلات محدودة وعمليات تدمير واسعة دون تثبيت طويل الأمد. بمعنى آخر، يتم استبدال “الاحتلال التقليدي” بنمط سيطرة غير مباشرة يقوم على الردع والإنهاك.
إضافة تحليلية (جيوسياسية):
أما على المستوى الجيوسياسي، فإن هذه الخرائط والخطابات المرافقة لها تحمل رسائل تتجاوز الجنوب اللبناني نفسه. فهي موجهة جزئياً إلى الداخل الإسرائيلي لإظهار قدرة على استعادة الردع، وجزئياً إلى الأطراف الدولية لإعادة رسم خطوط تفاوض مستقبلية على أساس وقائع “مفترضة” على الأرض. وفي هذا الإطار، تصبح الخريطة أداة تفاوض بقدر ما هي أداة عسكرية، حيث يجري توسيعها إعلامياً لرفع سقف الشروط، حتى لو لم تكن تعكس واقعاً ميدانياً كاملاً.
في المحصلة: ما يُطرح على شكل خريطة نفوذ أو سيطرة يبدو أقرب إلى تصور مستقبلي أو هدف عمل، وليس انعكاساً دقيقاً للوضع القائم. وبين غياب السيطرة المستقرة وحجم الدمار الكبير، تبقى الحقيقة الميدانية مركّبة: لا حسم كامل لأي طرف، ولا عودة سهلة إلى ما كانت عليه هذه المناطق قبل التصعيد.


Social Plugin