كتب العميد الركن د. بهاء حسن حلال
رحلت أمال خليل… لكن الحكاية لم تنتهِ
في الجنوب، حيثُ الأرضُ ليست مجرد جغرافيا بل ذاكرةٌ حيّة، وحيثُ لكلِّ حجرٍ رواية، ولكلِّ شجرة زيتون شاهدٌ على زمنٍ من الصمود، سقطت اليوم الصحافية والإعلامية أمل خليل. لم تسقط كاسمٍ عابر في شريط الأخبار، ولا كرقمٍ يُضاف إلى سجل الضحايا، بل ارتقت كصوتٍ ظلّ يقاوم حتى اللحظة الأخيرة، وكعينٍ رفضت أن تُغمض أمام الحقيقة.
في بلدة الطيري، حيث اختلط تراب الأرض بدمٍ جديد، كانت أمال تؤدي عملها كما فعلت دائمًا: بثباتٍ يشبه يقينها، وبهدوءٍ يخفي خلفه شجاعة استثنائية. لم تكن تبحث عن بطولة، ولم تكن تسعى إلى مجدٍ شخصي، بل كانت تؤمن أن نقل الحقيقة هو أسمى أشكال المقاومة، وأن الكلمة الصادقة قد تكون، في كثير من الأحيان، أشد وقعًا من الرصاص.
منذ حرب تموز عام 2006، يوم اهتزّ الجنوب تحت وقع النار، اختارت أمال خليل أن تكون في قلب المشهد. لم تكتفِ بالمراقبة من بعيد، بل انغمست في تفاصيل الحياة اليومية تحت القصف، بين البيوت المهدّمة، وفي الطرقات التي لم تعد آمنة، وبين وجوه الناس التي تحمل في ملامحها تعب السنين وقوة الصمود. كانت هناك، دائمًا هناك، حيث يجب أن يكون الاعلامي الحقيقي.
حملت الكاميرا كما لو أنها أمانة، وتعاملت مع كل صورة كما لو أنها شهادة تاريخية. لم تكن تنقل الحدث فقط، بل كانت تنقله بضمير، بإحساس، وبانحيازٍ واضح للحقيقة والإنسان. كانت تدرك أن ما توثّقه اليوم، سيصبح غدًا جزءًا من ذاكرة شعب، ومن سجلٍّ لا يجوز تزويره أو طمسه.
في القرى الجنوبية، لم تكن أمال غريبة. كانت واحدة من الناس، تعرف الأزقة، تحفظ أسماء الأمهات، وتعرف جيدًا كيف تُصاغ الحكايات من قلب المعاناة. كانت تقف إلى جانب المفجوعين، لا كمراسلة فقط، بل كإنسانة تشاركهم وجعهم، وتمنح صوتهم امتدادًا إلى ما وراء الحدود.
كانت تدرك أن الكاميرا قد تُستهدف، وأن الكلمة قد تُلاحق، وأن من يصرّ على كشف الحقيقة يدفع ثمنًا باهظًا. ومع ذلك، لم تتراجع. لم تغيّر طريقها، ولم تُخفض صوتها. بل بقيت على عهدها: أن تكون شاهدة، لا متفرجة؛ وأن تكتب بصدق، لا بما يُملى عليها.
استهدافها اليوم لم يكن خطأً عابرًا، ولا حدثًا يمكن فصله عن سياقٍ أوسع. إن اغتيال اعلامية وهي تؤدي عملها اعتداء سافر على الحقيقة نفسها، ومحاولة لإخماد روايةٍ لا يريدها البعض أن تُروى. لكن التاريخ يُثبت دائمًا أن الحقيقة لا تُقتل، وأن الأصوات التي تُحاول القوة إسكاتها، غالبًا ما تصبح أكثر حضورًا بعد غياب أصحابها.
أمال خليل لم تكن مجرد إعلامية تحمل ميكروفونًا وكاميرا؛ كانت ذاكرة الجنوب الحيّة، ومرآةً تعكس ما يجري بعيدًا عن التزييف. كل تقرير أنجزته، كل لقطة التقطتها، كل كلمة كتبتها، هي لُبنة في بناء روايةٍ كاملة عن الألم والصمود، عن القرى التي تُقصف وتنهض، وعن الناس الذين يخسرون كل شيء، لكنهم لا يخسرون إرادتهم.
اليوم، ونحن نرثيها، لا نرثي فقط شخصًا عزيزًا، بل نرثي جزءًا من صوتٍ كان يُعبّر عن الكثيرين. نرثي مهنةً تُستهدف لأنها تقترب من الحقيقة، ونرثي زمنًا صار فيه نقل الواقع فعل شجاعةٍ قد يُدفع ثمنه حياةً كاملة.
لكن الحكاية لا تنتهي هنا. لأن أمال، كما كل الذين سبقوها على هذا الطريق، تترك خلفها أثرًا لا يُمحى. تترك دربًا واضحًا لكل من سيحمل الكاميرا بعدها، ولكل من سيصرّ على أن يكون شاهدًا لا صامتًا. تترك وصية غير مكتوبة: أن الحقيقة تستحق، مهما كان الثمن.
ستبقى أمال خليل في كل صورة تُلتقط في وجه الظلم، في كل تقريرٍ يخرج من تحت الركام، في كل صوتٍ يرفض أن يُكمم. ستبقى في ذاكرة الجنوب، وفي وجدان كل من عرفها أو تابع عملها، وفي أرشيفٍ سيشهد يومًا أن هناك من اختار أن يقف في الجانب الصعب، جانب الحقيقة.
سلامٌ لروحك يا أمال…
سلامٌ لخطاك التي لم تتراجع، ولعدستك التي لم تنكسر، ولصوتك الذي سيبقى، رغم الغياب، حاضرًا في كل حكاية تُروى عن الجنوب وأهله.
رحمك الله يا امال شهيدة،شهيدة


Social Plugin