العميد الركن الدكتور بهاء حلال : ما بين 26 نيسان 1996 و26 نيسان 2026: تزامن التواريخ بين الصدفة وبنية الصراع

Achrafieh News 📰

كتب العميد الركن الدكتور بهاء حلال

ما بين 26 نيسان 1996 و26 نيسان 2026: تزامن التواريخ بين الصدفة وبنية الصراع

في تاريخ الشعوب التي تعيش على تماسٍ دائم مع الحرب، لا تعود التواريخ مجرد أرقامٍ في التقويم، بل تتحوّل إلى علاماتٍ كثيفة المعنى، تختزن الذاكرة والدم والخوف والرهان على الغد. وبين 26 نيسان 1996، تاريخ “تفاهم نيسان”، و26 نيسان 2026، موعد انتهاء وقف إطلاق نارٍ مؤقت في لبنان، يقف اللبناني أمام مرآةٍ زمنية تعكس تشابهاً مقلقاً في السياق، واختلافاً عميقاً في البنية السياسية والاستراتيجية.

أولاً: في المقاربة الزمنية – صدفة أم نمط متكرر؟

من منظور دراسات العلاقات الدولية، لا يُنظر إلى تكرار التواريخ بوصفه صدفةً بريئة بالضرورة، بل يمكن قراءته ضمن ما يُعرف
 بـ**“إيقاع الصراعات” (Conflict Cycles)**، حيث تميل النزاعات المزمنة إلى إنتاج محطات زمنية متشابهة نتيجة تراكم الشروط البنيوية نفسها: توازن الردع الهش، الضغوط الدولية، واستنزاف الأطراف.

إن التزامن بين 26 نيسان في الحالتين قد يبدو ظاهرياً صدفة، لكنه في التحليل الأعمق يعكس لحظةً دورية يصل فيها الصراع إلى “عتبة الإشباع العسكري” (Mutual Hurting Stalemate)، وهو مفهوم أساسي عند منظّر التفاوض ويليام زارتمان، حيث تجد الأطراف نفسها غير قادرة على الحسم، فتقبل بتهدئة مؤقتة.

بالتالي، ليس التاريخ هو الذي يتكرر، بل الشروط التي تُنتج الحاجة إلى وقف النار.

ثانياً: تفاهم نيسان 1996 – تلاقي الدولة والمقاومة

جاء تفاهم نيسان 1996 في سياق واضح المعالم:

وجود دولة لبنانية فاعلة نسبياً في القرار السياسي الخارجي

غطاء رسمي للمقاومة ضمن معادلة وطنية

دور دبلوماسي نشط قادته السلطة السياسية، وعلى رأسها الرئيس الشهيد رفيق الحريري


في هذا الإطار، يمكن تحليل التفاهم وفق نظرية “الردع المتبادل المحدود” (Limited Deterrence)، حيث تم تثبيت قواعد اشتباك تمنع استهداف المدنيين، دون إنهاء الصراع نفسه. لقد كان الاتفاق نتيجة تكامل الأدوار بين الفعل العسكري (المقاومة) والفعل السياسي (الدولة).

بعبارة أخرى:
كانت الدولة جزءاً من معادلة القوة، لا مراقباً عليها.

ثالثاً: وقف إطلاق النار 2026 – تفكك المرجعية وتعدد المسارات

أما في الحالة الراهنة (2026)، فالصورة تبدو أكثر تعقيداً:

غياب واضح لدور الدولة كمرجعية موحدة

تعدد قنوات التفاوض، بعضها غير متكامل أو منفصل

انتقال من “استراتيجية وطنية جامعة” إلى “مسارات متوازية وربما متعارضة”


وفق النظرية الواقعية (Realism) في العلاقات الدولية، فإن الدول الضعيفة أو المنقسمة تفقد قدرتها على فرض شروطها، وتتحول إلى ساحة لتقاطع مصالح القوى الأخرى. وهنا، يصبح وقف إطلاق النار أقرب إلى “ترتيب أمني مؤقت” منه إلى تفاهم سياسي متماسك.

كما يمكن تفسير الوضع الحالي عبر مفهوم “تفكك الاحتكار الشرعي للعنف” (Fragmentation of Legitimate Violence)، حيث لا تعود الدولة هي الجهة الوحيدة التي تدير الصراع أو التفاوض حوله، ما يؤدي إلى هشاشة أي اتفاق يتم التوصل إليه.

رابعاً: المقارنة البنيوية – أين يكمن الفرق الجوهري؟

البعد 1996- 2026

دور الدولة فاعل ومبادر ضعيف أو غائب
وحدة القرار مرتفعة نسبياً مجزأة
طبيعة الاتفاق تفاهم ضمني طويل الأمد وقف مؤقت هش
العلاقة مع المقاومة تكامل تباعد أو غموض
الإطار الدولي ضاغط لكن منظم متقلب ومتعدد الأقطاب


هذه المقارنة تبرز أن الفارق ليس في الحدث بحد ذاته، بل في البيئة السياسية التي أنتجته.

خامساً: قراءة إنسانية – بين الذاكرة والخوف

ك لبناني يعيش هذه اللحظة، لا تبدو المقارنة مجرد تمرين أكاديمي. إنها إحساس ثقيل بأن التاريخ لا يعيد نفسه فقط، بل يختبرنا بنسخٍ أكثر قسوة.

في 1996، كان الخوف موجوداً، لكن كان هناك شعور بأن أحداً يمسك بالدفة.
اليوم، الخوف مضاعف، لأنه مقرون بالضياع: من يفاوض؟ من يقرر؟ ومن يضمن؟

هذا التحول ينسجم مع ما تسميه أدبيات الحروب “قلق ما بعد الدولة” (Post-State Anxiety)، حيث يصبح المواطن غير واثق من قدرة مؤسساته على حمايته أو تمثيله.

سادساً: ماذا ينتظرنا؟ – سيناريوهات محتملة

استناداً إلى نظريات النزاعات والاتفاقات، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات:

1. التهدئة المؤقتة المتكررة
وقف إطلاق نار يتبعه تصعيد، ثم تهدئة، ضمن حلقة مستمرة (Conflict Management دون حل).


2. تثبيت قواعد اشتباك جديدة
شبيه بتفاهم 1996، لكن بشروط مختلفة، وقد يكون أقل استقراراً بسبب غياب مرجعية موحدة.


3. انزلاق نحو تصعيد أوسع
في حال فشل الردع أو تعددت الحسابات الخاطئة، وهو ما تحذر منه نظرية “سوء الإدراك في الحروب” (Misperception Theory).



خاتمة
إن التقاء التاريخين في 26 نيسان ليس مجرد مصادفة رقمية، بل هو انعكاس لدورة صراع لم تُكسر بعد. الفرق الحقيقي بين الأمس واليوم ليس في إسرائيل ولا في الحرب بحد ذاتها، بل في موقع الدولة اللبنانية داخل المعادلة.

بين تفاهمٍ صاغته دولةٌ حاضرة، ووقف نارٍ يمرّ في ظل غيابها، يقف لبنان اليوم أمام سؤال مصيري:
هل يستطيع استعادة موقعه كفاعل، أم سيبقى مجرد ساحة تُحدَّد فيها التواريخ… دون أن يملك حق اختيارها؟