كتب العميد الركن الدكتور
بهاء حسن حلال
بين 13 نيسان 1975 و13 نيسان 2026: تحوّل أنماط التأثير الإسرائيلي من الاختراق غير المباشر إلى المواجهة الشاملة
ليس التاريخ في لبنان مجرد تسلسلٍ زمني للأحداث، بل هو بنيةٌ متراكمة من الصدمات والتحوّلات، حيث تتكرّر الأنماط بأدوات مختلفة، وتبقى الغاية واحدة: إنهاك الدولة وتفكيك المجتمع.
في هذا السياق، يشكّل تاريخ 13 نيسان 1975، أي بداية الحرب الأهلية اللبنانية، نقطة تحوّل مفصلية، لا يمكن فصلها عن سياق إقليمي أوسع، كان للعدو الإسرائيلي فيه دور غير مباشر لكنه بالغ التأثير.
وفي المقابل، يأتي 13 نيسان 2026 كعلامة فارقة لنمط مختلف من الصراع: تأثير مباشر، صريح، وعنيف.
أولاً: 1975 : الاختراق غير المباشر وتفكيك البنية
في عام 1975، لم يكن التدخل الإسرائيلي قائماً على اجتياحٍ شامل منذ اللحظة الأولى، بل اعتمد على استراتيجية “التفكيك من الداخل”.
لقد عملت إسرائيل على:
١-اختراق البنية الاجتماعية والسياسية، عبر تغذية الانقسامات العمودية (الطائفية) والأفقية (السياسية).
٢-إضعاف المؤسسة العسكرية، التي كانت تمثّل آخر ركائز الوحدة الوطنية.
٣-رعاية تشكيلات محلية موازية، كما حصل لاحقاً مع سعد حداد ثم أنطوان لحد، في محاولة واضحة لشقّ الجيش وإنتاج بدائل عنه.
٤-هذا النمط من التأثير أدّى، بشكل تراكمي، إلى نتائج استراتيجية كبرى:
٥-الوصول إلى اجتياح جنوب لبنان 1978
٦-ثم تطوّره إلى اجتياح لبنان 1982
أي أن “الاختراق غير المباشر” لم يكن هدفاً بحد ذاته، بل مرحلة تمهيدية لاحتلال عسكري مباشر.
ثانياً: 2026 : التأثير المباشر والحرب المفتوحة
في المقابل، نشهد في عام 2026 تحوّلاً نوعياً في العقيدة الإسرائيلية:
لم تعد إسرائيل بحاجة إلى التمهيد الطويل عبر العملاء
بل انتقلت إلى المواجهة المباشرة الشاملة.
يتجلّى ذلك في:
١-القصف العنيف للمناطق السكنية، من الضاحية الجنوبية إلى الجنوب، مروراً بمناطق مثل عين سعادة وحي السلم.
٢-استهداف العمق المدني في بيروت، في محاولة لكسر البيئة الحاضنة وإنتاج ضغط داخلي.
٣-ارتكاب مجازر ذات طابع ردعي–نفسي، تتجاوز البعد العسكري إلى البعد المجتمعي.
٤-التحرك البري في الجنوب، عبر محاور متعددة، بهدف احتلال نقاط محددة ذات قيمة رمزية وعملياتية.
غير أن هذا الانتقال من “التأثير غير المباشر” إلى “الحرب المباشرة” لا يعني تغيّر الهدف،
بل تغيّر الوسيلة فقط.
ثالثاً: الثابت الاستراتيجي : ضرب الجيش وتفكيك الداخل
رغم اختلاف الأدوات بين 1975 و2026، يبقى هناك ثابت واحد في السلوك الإسرائيلي:
استهداف تماسك الدولة اللبنانية، وعلى رأسها الجيش اللبناني.
في 1975:
كان الاستهداف يتم عبر الشقّ والانقسام، ومحاولة إنتاج جيوش موازية.
في 2026:
يتم الاستهداف عبر مسارين متوازيين:
1. الاستنزاف غير المباشر
عبر دفع الجيش إلى الانتشار في بيئات مشحونة، وتحميله أعباء أمنية داخلية متزايدة.
2. زرع بذور الفتنة
سواء كانت:
عمودية (طائفية)
أو أفقية (سياسية–اجتماعية)
بهدف إعادة إنتاج مناخ مشابه لمرحلة ما قبل الحرب الأهلية.
رابعاً: الجنوب كمساحة اختبار
ما يجري في الجنوب اليوم ليس مجرد معركة حدودية،
بل هو مختبر استراتيجي لإعادة إنتاج سيناريو التفكيك:
عمليات برية محدودة تسعى إلى تحقيق اختراقات رمزية
ضغط ناري كثيف على البيئة المدنية
محاولة خلق فجوة بين الدولة ومجتمعها
وهي ذات المراحل التي سبقت، بشكل أو بآخر، اجتياحات 1978 و1982، ولكن بوتيرة أسرع وأدوات أكثر عنفاً.
خامساً: الفارق الجوهري : بين الأمس واليوم
رغم كل أوجه التشابه، هناك فارق حاسم يجب التوقف عنده:
في 1975،
نجحت استراتيجية الاختراق، لأن الداخل كان هشّاً ومنقسماً.
أما في 2026،
فإن نجاح أو فشل الاستراتيجية الإسرائيلية يتوقف على عامل واحد:
قدرة اللبنانيين على منع تحويل الضغط الخارجي إلى انفجار داخلي.
بمعنى آخر:
في الماضي، بدأ الانهيار من الداخل ثم دخل الاحتلال.
أما اليوم، فالاحتلال يحاول أن يُنتج الانهيار من الخارج إلى الداخل.
في المحصلة
بين 13 نيسان 1975 و13 نيسان 2026،
نحن لا نقف أمام تكرارٍ للتاريخ، بل أمام تحوّل في أدواته.
من الاختراق إلى القصف
من الوكلاء إلى الجيوش
من التمهيد البطيء إلى الصدمة المباشرة
لكن الهدف بقي ثابتاً:
لبنان الضعيف، المنقسم، القابل للاختراق.
وعليه، فإن التحدي اليوم ليس عسكرياً فقط،
بل هو تحدي وعيٍ وطني:
كيف نمنع الحرب الخارجية من أن تتحول إلى حرب داخلية؟
وكيف نحمي المؤسسة العسكرية من أن تصبح ساحة صراع بدل أن تبقى صمّام أمان؟
لأن الدرس الأهم من 1975 هو التالي:
حين ينكسر الداخل… يصبح الخارج سيّداً.
أما الدرس الأهم في 2026:
فهو أن صمود الداخل… هو خط الدفاع الأول والأخير.

Social Plugin