طامحون كُثر بلا حواصل انتخابية «ما حدا مرتاح» في دائرة بيروت الأولى!




في الوقت الذي تضيق فيه الخيارات الانتخابية في مختلف الدوائر، يبدو المشهد في دائرة بيروت الأولى استثنائياً. ففي الأشرفية مزيج من الأحزاب و«قوى التغيير» والمستقلين الحاضرين خدماتياً، ورجال الأعمال الذين ينفقون أموالاً طائلة، إضافةً إلى النفوذ الكبير الذي تتمتّع به الكنيسة الأرثوذكسية.

وجميع هؤلاء يتنافسون على ثمانية مقاعد (ماروني وأرثوذكسي وكاثوليكي وأقليات وأرمن كاثوليك و3 أرمن أرثوذكس)، علماً أن ما يفتح شهيتهم على العمل الانتخابي في هذه الدائرة، هو سهولة الفوز نظراً إلى انخفاض الحاصل الانتخابي إلى 5500 صوت. ففي دوائر أخرى، يحتاج المرشحون على الأقل إلى ضعف هذا العدد، للظفر بمقعد نيابي.

ومع ذلك، لم ينل أي مرشح في انتخابات 2022 الحاصل الانتخابي بأصواته التفضيلية، سوى نائب «القوات اللبنانية» غسان حاصباني (7280 صوتاً). فحتى ابن بشير الجميل، نديم، فشل في حشد أكثر من 4400 صوت في الأشرفية. لذا، ينصبّ تركيز جميع القوى والذين ينوون الترشح، بشكل أساسي، على تركيب لوائح وصوغ تحالفات تمكّنهم من الفوز، حتى لو كانت هذه التحالفات لا تنسجم مع خياراتهم.
في ضوء ذلك، يبدو أنه «ما حدا مرتاح» في الأشرفية، والجميع يدرسون خياراتهم، وفقاً للواقع الراهن والسيناريوات المُحتملة.

الصحناوي: لا غنى عن الجميل
في بال رئيس مجلس إدارة بنك «سوسييتيه جنرال» أنطون صحناوي توجّهان، الأول تشكيل لائحة مستقلة نواتها النائب جان طالوزيان. لكنّ هذا الخيار يصطدم باحتمال عدم بلوغ الحاصل، ولا سيما أن الأخير حصل على 4 آلاف صوت فقط في الاستحقاق الماضي، ولم يكن لينجح لولا التحالف مع النائب الكتائبي نديم الجميل. وبالتالي، تجري مفاوضات جدّية مع الأخير لإعادة تكرار التعاون نفسه. فبدون الجميل يصبح الصحناوي شأنه شأن كل متموّل يتأثّر ناخبوه بعامل المال وحجم المبلغ المرصود للحملة الانتخابية. مع العلم أن مهمة الصحناوي باتت أصعب بعد دخول عدد من المرشحين «الأثرياء» إلى الدائرة، بحيث بات ثمة من ينافسه في ملعبه.

أمّا التوجه الثاني، فيقضي بتشكيل لائحة من طالوزيان والفنان غي مانوكيان وعدد من المرشحين المغمورين الذين يقدر كل واحد منهم على رفد اللائحة بحوالى 200 صوت. ويطمح صحناوي من هذه اللائحة إلى استعراض قوته في الأشرفية وفرض نفسه لاعباً أساسياً لا يحتاج إلى حليف سياسي وازن، مراهناً على تأمين مانوكيان، ما لا يقلّ عن ألف صوت. غير أن مانوكيان يشترط تجيير الصحناوي أصواتاً لصالحه من أجل الانضمام إلى لائحته. لذا، يبقى الخيار الآمن هو التحالف مع الجميل إلى حين ثبوت العكس. وعليه، يبدو تحالف الجميل - الصحناوي حتى الساعة ثابتاً، إذ لا يزال حزب الكتائب يفصلُ في تفاوضه مع معراب بين التحالف في كل لبنان ودائرة بيروت الأولى، التي يراعي فيها الحالة المستقلة، التي يشكّلها نديم.

معراب: تكرار 2022 غير ممكن
كانت معراب في الاستحقاق الماضي الأكثر ارتياحاً في الدائرة، مع ضمانها الحصول على مقعدين، وسعيها للفوز بمقعد ثالث. وهي اقتربت من تحقيق ذلك، لولا أن الكسر الأكبر ذهب للائحة النائبة بولا يعقوبيان، ففازت النائبة سينتيا زرازير بدلاً من المرشح القواتي إيلي شربشي. غير أن الوضع اليوم يبدو مختلفاً. فمعراب ضمّت إلى لائحتها عام 2022 مرشحين غير قواتيين ساهموا بتأمين أصوات للائحة، كالمرشح جورج شهوان الذي حصل على 1664 صوتاً، ومرشح حزب الهنشاك آرام ماليان الذي حصد 1068 صوتاً، إضافة إلى التحالف مع جهاد كريم بقرادوني الذي حصل على 2184 صوتاً.

غير أن الشهوان اليوم ليس مرشحاً مع «القوات»، فيما تتفاوض الأحزاب الأرمنية مع بعضها للتحالف في كل لبنان. كما لم يعد ممكناً فصل بقرادوني عن معراب، واعتباره مرشحاً مستقلاً. يضاف إلى ذلك الحديث عن أن معراب لن يكون بمقدورها الحصول على أكثر من ألف صوت سنّي كما في المرة الماضية، خصوصاً إذا قرّر تيار المستقبل التحرّك انتخابياً.

وبالتالي، فإن خطة «القوات» غير قابلة للتنفيذ مرة أخرى، عدا أنها لا تملك اليوم ترف تجيير كل أصواتها لمرشحها غسان حاصباني، الذي حلّ أولاً في الدائرة بـ 7280 صوتاً، والمخاطرة بسقوط بقرادوني، الذي تحتدم المنافسة بينه وبين مرشحي «الطاشناق» ويعقوبيان ومانوكيان. وتوزيع الأصوات بين حاصباني وبقرادوني دونه مشكلة، فأيّ انخفاض في أصوات النائب القواتي سيُعدُّ شعبياً خسارة وتراجعاً.

في المقابل، يحتاج بقرادوني إلى نحو ألف صوت حزبي لضمان الفوز، ما يضع معراب أمام معضلة لم تجد لها حلاً بعد، خصوصاً مع صعوبة تخلّيها عن بقرادوني الذي حقّق نجاحاً خدماتياً ملحوظاً في الأشرفية، وعزّز حضور نادي الحكمة الرياضي، خلافاً لحاصباني، الذي اتّسمت ولايته بالكسل وتجيير طلبات الناخبين لمكتب زميله. عدا ذلك، تحتاج «القوات» إلى الرصيد الذي يضيفه بقرادوني (2000 صوت) في غياب أي مرشح آخر يمكن له تأمين هذه الأصوات للائحة حتى الساعة.

حاصلُ العونيين بأصواتهم؟
حاز مرشح التيار الوطني الحر النائب نقولا صحناوي في الانتخابات الأخيرة على 4781 صوتاً، علماً أن الحملة السياسية على ميرنا الشالوحي كانت في أَوْجِها. وبالتالي، لن يكون وضع العونيين اليوم أسوأ مما كان عليه عقب انتفاضة 17 تشرين 2019.
ومع ذلك، لم ينجح التيار بعد في العثور على مرشحين يرفدون لائحته بأصوات إضافية، وسط حديث عن ضمّه رئيس لائحة «جونيتنا» (في الانتخابات البلدية المنصرمة)، الرياضي سيلفيو شيحا (طائفة اللاتين) على مقعد الأقليات.

ماكينة التيار الوطني الحر تؤكّد أنها باتت قادرة على تأمين حاصل انتخابي بمفردها


حالياً، يجري البحث عن تشكيل لائحة جذّابة من مرشحين شباب يمكن لهم تأمين مئات الأصوات، لرفع أرقام اللائحة. غير أن نجاح هذه الخطة يرتبط بحصول صحناوي على حاصل بمفرده، الأمر الذي تعذّر حصوله عام 2022، حين أمّن تحالف التيار - «طاشناق» حاصليْن، ففاز كل من صحناوي والنائب هاغوب بقرادونيان. أمّا اليوم، فلم يُحسم التحالف مع «الطاشناق» حتى الساعة، إذ يدرس الحزب خياراته، ومنها تشكيل لائحة مع «الهنشاك»، وعدم الدخول في لوائح الأحزاب الأخرى. هذا الأمر في حال حصوله سيضع التيار أمام تحدّي خسارته الإضافَةَ التي يؤمّنها مرشح «الطاشناق»، علماً أن أرقام ماكينة التيار في الأشرفية، تُظهِر تحقيق زيادة في أصوات العونيين، تسمح لهم بالحصول على حاصل بمفردهم.

يعقوبيان و«الخطة ب»
على مستوى «قوى التغيير»، لا بوادر لتشكيل لوائح متعدّدة، ولا وجود لماكينات ناشطة، باستثناء ماكينة «تحالف وطني» الذي تُعد النائبة بولا يعقوبيان أحد أركانه الأساسيين، إلى جانب المهندس البيئي زياد أبي شاكر. في الدورة الماضية، حصلت يعقوبيان على 3524 صوتاً، فيما كانت المفاجأة حصول أبي شاكر على 3124 صوتاً، علماً أن نحو 1000 صوت منها حصل عليها من الاغتراب، في حين حصلت يعقوبيان منه على 825 صوتاً.

لذا، سيحرم عدم تصويت الاغتراب اليوم لائحة «تحالف وطني» ما لا يقلّ عن 1500 صوت، إضافة إلى نحو 900 صوت أمّنها المرشح زياد عبس، عدا الحديث عن تغيير في المزاج المؤيّد لـ«قوى التغيير». يعني ذلك أن يعقوبيان تواجه أزمة، وتحتاج إلى حلفاء لضمان بلوغ لائحتها الحاصل الانتخابي، خصوصاً إذا تشكّلت أكثر من لائحة لـ«التغييريين» كما في المرة السابقة، وتبدّدت الأصوات مجدّداً نتيجة الخلافات بينهم. لذا، يُحكى عن «خطة ب»، مرهونة بترشح النائب السابق ميشال فرعون وتوافقه مع يعقوبيان على تشكيل لائحة، وسط مساعٍ لضمّ النائب نديم الجميل إليها أيضاً.

عندها، قد تنجح تلك اللائحة في المنافسة، ولا سيما أن فرعون لم يطفئ ماكينته، ولا يزال حاضراً في الدائرة، فيما يُحكى عن جهد لعقد «ديل» مع الرئيس سعد الحريري للحصول على أصوات سنّية. يشار إلى أن هذه الأصوات توزّعت في المرة الماضية بين الصحناوي و«القوات» والمجتمع المدني بدرجة أقل، ولكنّ عودة الحريري ستساهم في تركّزها في لائحة معينة، ما سيساهم في قلب النتيجة.