في قضية جديدة تضع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" جياني إنفانتينو تحت مجهر الجدل، كشفت تسريبات ووثائق داخلية عن تحركات يُشتبه في أن مقربين منه أجروها داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بهدف تأمين تصريح عمل جديد لعاملة منزلية تقيم مع عائلته في ميامي، بعدما فقدت وضعها القانوني نتيجة قرارات الهجرة الأميركية.
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة "نيويورك بوست"، استند إلى وثائق مسرّبة وتسجيلات صوتية وشهادات 3 مصادر مطلعة مباشرة على القضية، فإن إنفانتينو استعان بمستشار يتمتع بنفوذ سياسي وعلاقات داخل الإدارة الأميركية، للتدخل لدى مسؤولي الهجرة الفيدراليين لمصلحة ياجارلين ديل سوكورو فرنانديز، وهي مواطنة من نيكاراغوا تبلغ 33 عاماً، بعدما أُلغيت صلاحية تصريح عملها.
وتشير التسريبات إلى أن إنفانتينو وزوجته لينا الأشقر وظّفا فرنانديز للعمل لدى العائلة، فيما استمر الاتحاد الدولي لكرة القدم بدفع راتبها لأشهر بعد فقدانها تصريح العمل، في خطوة أثارت تساؤلات حول مدى الالتزام بقوانين الهجرة الأميركية، واحتمال حصولها على معاملة تفضيلية بفعل علاقات رئيس "فيفا" السياسية.
وتكشف وثيقة داخلية حصلت عليها الصحيفة أن فرنانديز بقيت على كشوف رواتب الفرع الأميركي للاتحاد حتى 31 تشرين الأول 2025، أي بعد أكثر من 4 أشهر على إلغاء تصريح عملها، وفق ما أكده مصدران حكوميان مطلعان على ملف هجرتها.
وجاء في رسالة رسمية وقّعتها فافيانا أوردانيتا، المسؤولة في قسم "الأفراد والثقافة" لدى "فيفا" في ميامي، أن فرنانديز عملت بدوام كامل لدى شركة "FIFA (Americas) Inc."، الفرع الرسمي للاتحاد الدولي في الولايات المتحدة، خلال الفترة الممتدة من 1 آب 2024 حتى 31 تشرين الأول 2025.
لكن التطور الأكثر إثارة تمثّل في حصول فرنانديز، خلال كانون الثاني 2026، على تصريح عمل جديد من فئة "C11"، المرتبطة بوضع الإفراج المشروط لأسباب إنسانية، والصادر عن وزارة الأمن الداخلي الأميركية التي كانت ترأسها كريستي نوم، رغم أن إدارة ترامب كانت قد ألغت البرنامج الإنساني الذي استفادت منه مواطنة نيكاراغوا.
ولم تتوقف التسريبات عند مسألة تصريح العمل، إذ تحدثت المصادر عن استخدام عنوان سكني يُزعم أنه غير صحيح ضمن مستندات الهجرة، بدلاً من تسجيل العنوان الفعلي الذي كانت فرنانديز تقيم وتعمل فيه لدى عائلة إنفانتينو.
ووفق مصدرين مطلعين، فإن زوجة رئيس "فيفا" هي من اختارت فرنانديز للعمل لدى العائلة، حتى قبل حصولها على تصريح العمل الأول. وانتقلت العائلة لاحقاً إلى برج "وان ثاوزند ميوزيم" الفاخر في ميامي، حيث كان نجم كرة القدم الإنكليزية السابق ديفيد بيكهام يمتلك شقة فاخرة من نوع "بنتهاوس"، باعها أخيراً مقابل مبلغ يقل بقليل عن 25 مليون دولار.
وفي قلب هذه القضية، يبرز اسم كارلوس كورديرو، المصرفي السابق في "غولدمان ساكس"، والذي استقال أخيراً من "فيفا" على خلفية صفقات تجارية مرتبطة بإنفانتينو وشركة "ثرايف كابيتال" المملوكة لجوش كوشنر.
وبحسب 3 مصادر تحدثت إلى الصحيفة، تولّى كورديرو ترتيب الإجراءات المتعلقة بفرنانديز بناءً على توجيهات مباشرة من إنفانتينو، مستفيداً من علاقاته السياسية داخل الإدارة الأميركية.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية، بعدما عيّن ترامب كورديرو في أيار 2025 مستشاراً أول لفريق عمل كأس العالم التابع للبيت الأبيض، وهو الفريق الذي ضم كريستي نوم، وكان يعمل مباشرة من داخل وزارة الأمن الداخلي، الجهة نفسها التي منحت فرنانديز تصريح العمل الجديد.
وتعود بداية الترتيبات المثيرة للجدل، وفق المصادر، إلى اجتماع عُقد في أيار 2024، حين طلب كورديرو من أحد مرؤوسيه إدراج عنوان عقار مستأجر يخصه في ميامي ضمن أوراق الهجرة الخاصة بفرنانديز، بدلاً من عنوان إقامتها الفعلي لدى عائلة إنفانتينو.
وبحسب الرواية التي نقلتها الصحيفة، كان الهدف من هذه الخطوة إخفاء المكان الحقيقي الذي تقيم وتعمل فيه العاملة المنزلية، قبل أن تحصل لاحقاً على تصريح عمل مؤقت أُلغي في العام التالي.
وفي 30 أيار 2025، سمحت المحكمة العليا الأميركية لإدارة ترامب بإنهاء برنامج الإفراج المشروط لأسباب إنسانية المخصص لمواطني 4 دول، قبل أن تُخطر وزارة الأمن الداخلي المشاركين، في 12 حزيران من العام نفسه، بإلغاء تصاريح الإقامة والعمل التي كانوا يستفيدون منها.
ومع فقدان فرنانديز وضعها القانوني، خضعت خلال خريف 2025 لمقابلة مع مسؤولي الهجرة الفيدراليين، حيث أثار التدقيق في عنوان إقامتها، الذي يُشتبه في عدم صحته، قلقاً داخل الدائرة المعنية بالملف.
وتؤكد مصادر مطلعة أن إنفانتينو طلب في تلك المرحلة من كورديرو استخدام علاقاته الحكومية للمساعدة في استصدار تصريح جديد يتيح لفرنانديز البقاء والعمل بصورة قانونية في الولايات المتحدة.
غير أن التحذيرات كانت قد بدأت تتصاعد داخل "فيفا"، بعدما نبه موظفون إلى المخاطر القانونية المحتملة لاستمرار دفع راتب العاملة المنزلية رغم إلغاء تصريحها.
ونقلت الصحيفة عن أحد المطلعين داخل الاتحاد تحذيراً واضحاً مفاده أنه لا يمكن مواصلة دفع راتبها عبر "فيفا"، لأنها قد تتعرض للترحيل، وأن توقيفها من جانب إدارة الهجرة والجمارك الأميركية "ICE" من شأنه أن يضع الاتحاد في مأزق كبير.
ورغم هذه التحذيرات، تفيد المصادر بأن إنفانتينو رفض إنهاء العلاقة مع فرنانديز، وأبقاها ضمن كشوف رواتب الشركة.
وفي المقابل، رفض كورديرو، لدى تواصل "نيويورك بوست" معه، التعليق على دوره المزعوم في ترتيبات الهجرة، مكتفياً بالقول إنه "ليس على علم بهذه القصة".
وتشير الوثائق أيضاً إلى امتداد الصلة المؤسسية إلى المقر الرئيسي للاتحاد في زيورخ، إذ تُظهر سجلات ولاية فلوريدا إدراج مسؤولين بارزين في "فيفا"، بينهم الأمين العام ماتياس غرافستروم وكبير المسؤولين القانونيين إميليو غارسيا سيلفيرو، ضمن المديرين المسجلين لشركة "FIFA (Americas) Inc." المسجلة في ولاية ديلاوير.
أما على المستوى القانوني، فقد أثارت طريقة حصول فرنانديز على التصريح الجديد علامات استفهام، خصوصاً أن فئة "C11" ترتبط عادة بصلاحية وضع الإفراج المشروط الممنوح للشخص.
وفي هذا الإطار، اعتبر المحامي الأميركي المتخصص في قضايا الهجرة مايكل وايلدز، الذي سبق أن تولّى تمثيل السيدة الأولى ميلانيا ترامب، أن حصول العاملة المنزلية على تصريح جديد في هذه الظروف يُعد أمراً غير معتاد بالنسبة إلى الأجانب الذين لا يتمتعون بعلاقات سياسية نافذة.
وأوضح وايلدز أن إلغاء البرنامج الذي استندت إليه فرنانديز للحصول على تصريحها الأول يعني، في الظروف المعتادة، فقدانها الأهلية للاستمرار في العمل أو تجديد التصريح استناداً إلى الوضع القانوني نفسه.
وأشار إلى أن منحها تصريحاً جديداً بصورة مفاجئة في مطلع عام 2026 يثير احتمال حصولها على معاملة تفضيلية، لا سيما أن الإدارة الأميركية ترفض بصورة منتظمة طلبات مشابهة يقدمها أشخاص يواجهون ظروفاً إنسانية ملحة.
وذهب المحامي أبعد من ذلك، معتبراً أن الغالبية العظمى من الأجانب الذين لا يملكون علاقات نافذة لا تتوافر لهم فرص مماثلة للحصول على تجديد للإذن بالدخول المؤقت أو تصريح عمل جديد في ظروف كهذه.
وفي تعليق يعكس حساسية القضية سياسياً، رأى مصدر مطلع أن توظيف إنفانتينو وزوجته عاملة منزلية من دون وضع قانوني سليم، إذا ثبت حصوله، قد يشكّل إحراجاً مباشراً للرئيس ترامب وسياساته المتشددة في ملف الهجرة.
وقال المصدر إن من الصعب التنبؤ برد فعل الرئيس الأميركي تجاه هذه المعلومات، منتقداً ما وصفه بتصرف بعض المسؤولين وكأنهم "ملوك وملكات"، ويعتبرون أن من حقهم الحصول على خدم.
وفي ظل تصاعد التساؤلات، لم يرد الاتحاد الدولي لكرة القدم أو إنفانتينو على الأسئلة التفصيلية التي وجهتها إليهما "نيويورك بوست"، كما لم تقدم وزارة الأمن الداخلي الأميركية توضيحات بشأن أسباب منح فرنانديز تصريح العمل الجديد، رغم إلغاء وضعها القانوني السابق.
وتعيد هذه القضية تسليط الضوء على إنفانتينو، الذي وصل إلى رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 2016، رافعاً شعار مكافحة الفساد وإصلاح المؤسسة الكروية، بعد الزلزال الذي أحدثته لوائح الاتهام الواسعة الصادرة عن وزارة العدل الأميركية عام 2015، والتي أطاحت بنظام الرئيس السابق سيب بلاتر وسط فضائح فساد كبيرة.
وبين الوثائق المسربة وشهادات المصادر والأسئلة القانونية التي لم تلقَ إجابات حتى الآن، يواجه رئيس "فيفا" موجة جديدة من الجدل تتجاوز ملاعب كرة القدم، لتطال علاقاته السياسية داخل واشنطن، وطريقة إدارة شؤون العاملين المرتبطين بمحيطه العائلي.
وتبقى الاتهامات الواردة في التحقيق الصحافي بحاجة إلى توضيحات رسمية وحسم من الجهات المختصة، خصوصاً في ما يتعلق بصحة مستندات الهجرة، وظروف استمرار التوظيف، وأسباب منح تصريح العمل الجديد.
.
Whatsapp Channel
https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h
on telegram
https://t.me/achrafieh_news
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا

Social Plugin