في ظل التحذيرات الصحية المتزايدة من مخاطر استهلاك اللحوم النيئة أو غير المطهوة جيداً، عادت قضية سلامة اللحوم ومشتقاتها إلى الواجهة في لبنان، بعد إعلان وزارة الصحة العامة تسجيل حالات مشتبه بإصابتها بداء "التريشينيلا" (Trichinella)، وهو مرض طفيلي يرتبط بصورة أساسية بتناول لحوم ملوثة، ولا سيما لحوم الخنازير المصابة ومشتقاتها، إذا لم تخضع للمعالجة والطهي المناسبين.
وأصدرت وزارة الصحة العامة، يوم الجمعة 30 تشرين الأول 2026، بياناً دعت فيه المواطنين إلى تجنب تناول اللحوم النيئة أو غير المطهوة جيداً، كما حذّرت أصحاب المطاعم والمؤسسات الغذائية من الغش في نوع اللحوم أو مصدرها، مؤكدة أنها تتابع الحالات المشتبه بها بالتنسيق مع الجهات المعنية، لإجراء التحقيقات الوبائية والفحوص المخبرية اللازمة، وتحديد مصادر العدوى واتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية الصحة العامة.
وأوضحت الوزارة أن داء "التريشينيلا" ينتقل إلى الإنسان بشكل أساسي عبر تناول لحوم نيئة أو غير مطهوة جيداً، ولا سيما لحوم الخنازير المصابة ومشتقاتها، مشيرة إلى أن المرض لا ينتقل مباشرة من شخص إلى آخر، وأن فترة حضانته تتراوح بين أسبوعين وثمانية أسابيع بعد تناول الوجبة الملوثة.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات حول سلامة استهلاك لحوم الخنزير البري والمنتجات الغذائية المصنّعة منها، ولا سيما المرتديلا، ومدى خضوع مراحل تصنيعها وتحضيرها ومعالجتها للمعايير الصحية المطلوبة، في ظل المخاوف من انتقال الطفيليات ومسببات الأمراض عبر اللحوم الملوثة.
وفي حديث حذّر النائب السابق والاختصاصي في الشؤون الصحية الدكتور عاصم عراجي من تناول اللحوم النيئة أو غير المطهوة جيداً، مشدداً على ضرورة تجنب استهلاكها نظراً إلى المخاطر الصحية التي قد تترتب على ذلك، حتى إن الطهي لا يضمن بالضرورة القضاء على احتمالات الإصابة بالعدوى بنسبة مئة في المئة.
وفي ما يتعلق بالمرتديلا المصنّعة من لحم الخنزير البري، أبدى عراجي تحفظه على استهلاكها، مشيراً إلى أنه لا ينصح بتناول هذا النوع من اللحوم، في ظل التساؤلات المتعلقة بكيفية تحضيرها ومعالجتها، ومدى ضمان سلامتها قبل طرحها في الأسواق.
وتساءل عراجي عما إذا كانت الشروط الصحية متوافرة في تصنيع هذه المنتجات، سواء لجهة طريقة التحضير أو مدى مطابقتها للمعايير الصحية المفروضة، معتبراً أن المسألة لا تتعلق بنوع اللحم وحده، بل أيضاً بمراحل التصنيع والمعالجة والرقابة التي يفترض أن ترافقها.
ولفت إلى أن لحوم الخنزير البري تحديداً، والمنتجات المصنّعة منها، تحتاج إلى رقابة صحية ومخبرية صارمة، مشيراً إلى أن هذه المعايير معمول بها في الدول الأوروبية، حيث تخضع هذه المنتجات لمتطلبات طبية وصحية عالية. إلا أنه وضع علامة استفهام حول مدى الالتزام بهذه المعايير في لبنان، وحجم الرقابة التي تمارسها الجهات المختصة على عمليات التصنيع.
وفي هذا الإطار، طالب عراجي وزارة الصحة العامة بإصدار بيان واضح يشرح ما إذا كانت هذه اللحوم صالحة للاستهلاك، وما إذا كانت المرتديلا المصنّعة منها قد أُنتجت وفق طرق علمية وصحية سليمة، بما يسمح بتحديد مدى أمان تناولها. وشدد على أن المواطنين بحاجة إلى توضيحات رسمية تستند إلى رأي طبي وعلمي، حتى يتمكنوا من حماية أنفسهم واتخاذ قرارات مبنية على معلومات موثوقة، وإلا فلا ينصح باستهلاك هذه المنتجات في ظل غياب الضمانات الصحية اللازمة.
وأكد أن صدور موقف واضح عن وزارة الصحة أمر ضروري، لأن الرأي الطبي والرقابة الرسمية يشكلان أساساً للتحقق من مدى التزام المصانع بالمعايير الصحية المطلوبة، مشيراً إلى أن دولاً مثل أوروبا والولايات المتحدة تستهلك هذه الأنواع من اللحوم بكثرة، لكن ذلك يتم في ظل رقابة صارمة على المعايير الطبية والصحية، وليس بصورة عشوائية.
وختم عراجي بدعوة وزارة الصحة إلى المباشرة بالكشف على المصانع المعنية، وإجراء الفحوص والتحقيقات اللازمة لتحديد مدى التزامها بالمعايير الطبية والصحية، والتأكد من سلامة المنتجات التي تطرحها في الأسواق، بما يحمي صحة المواطنين ويضع حداً لأي مخاطر محتملة ناجمة عن تصنيع اللحوم أو تداولها من دون رقابة كافية.

Social Plugin