عاد اسم الملياردير اللبناني الراحل إسكندر صفا إلى الواجهة القضائية الدولية، بعدما فتح القضاء البريطاني الطريق أمام دولة موزمبيق لمواصلة ملاحقة أرملته، كلارا مارتينيز تيدي دي صفا، والمطالبة بتعويضات مالية مرتبطة بفضيحة فساد ضخمة بلغت قيمتها نحو 2 مليار دولار، في قضية تلاحق إرث رجل الأعمال اللبناني الذي بنى إمبراطورية دولية في صناعة السفن الحربية واليخوت الفاخرة.
وبحسب تقرير للصحافي طارق طاهر في صحيفة "ذا ناشيونال"، رفضت محكمة الاستئناف البريطانية اعتراض أرملة صفا على إدخالها في الدعوى، مستندة إلى أحكام القانون اللبناني المتعلقة بانتقال أموال المتوفى والتزاماته إلى ورثته.
وتعود القضية إلى فضيحة "سندات التونة"، التي اتهمت فيها موزمبيق صفا وشركته "بريفينفست" (Privinvest) بدفع رشى تجاوزت 136 مليون دولار لمسؤولين حكوميين ومصرفيين، لتسهيل إبرام عقود ضخمة لتوريد سفن صيد وزوارق دورية ومعدات بحرية بأسعار مبالغ فيها.
وكانت هذه العقود تهدف رسمياً إلى تطوير قطاع الصيد البحري وحماية المياه الإقليمية، إلا أنها انتهت بتحميل الدولة الأفريقية ديوناً قاربت 2 مليار دولار، ما تسبب بأزمة اقتصادية حادة، فيما وجدت السلطات نفسها أمام أسطول من 24 سفينة صيد متوقفة عن العمل، جرى بيعها لاحقاً في مزاد علني.
وفي عام 2023، لجأت موزمبيق إلى المحكمة العليا في لندن لمقاضاة صفا وشركته، نظراً إلى خضوع العقود للقانون الإنكليزي. وفي كانون الأول 2024، صدر حكم ألزم "بريفينفست" بدفع 534 مليون دولار لموزمبيق، إضافة إلى فوائد بلغت نحو 40 مليون دولار.
غير أن وفاة صفا في كانون الثاني 2024، عن عمر 68 عاماً، لم توقف الملاحقات المرتبطة بمسؤوليته الشخصية، إذ انتقل النزاع إلى مسألة الأموال التي ورثتها زوجته.
وخلال جلسة قضائية في تموز الماضي، أكد محامي الأرملة، روبرت هاو، أنها لم تكن على علم بأي مخالفات منسوبة إلى زوجها، ولم تشارك فيها، معتبراً أن القضاء البريطاني لا يملك صلاحية ملاحقتها في قضية تتعلق بتركة خاضعة لقانون أجنبي.
إلا أن القاضي اللورد مايلز رفض هذه الحجة، موضحاً أن القانون اللبناني ينص على انتقال أصول المتوفى إلى الورثة بصورة تلقائية وفورية، ما يسمح بملاحقة الوارث شخصياً للمطالبة بحقوق الدائنين.
ومع ذلك، لم يحدد القضاء بعد قيمة الأموال التي ورثتها أرملة صفا، أو حجم المسؤولية المالية التي قد تترتب عليها، على أن تُحسم هذه المسائل في جلسات لاحقة.
أما إسكندر صفا، المولود في بيروت عام 1955 لعائلة مسيحية مارونية ميسورة، فكان من أبرز رجال الأعمال اللبنانيين الذين حققوا حضوراً دولياً في قطاع الصناعات العسكرية البحرية.
درس الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت، وشارك خلال الحرب الأهلية اللبنانية في إحدى الميليشيات المسيحية، قبل أن ينتقل إلى فرنسا ويعمل في مجالات الهندسة والأعمال.
وبرز اسمه خلال الثمانينيات في الوساطات المتعلقة بإطلاق سراح رهائن فرنسيين كانوا محتجزين لدى حزب الله في لبنان، مستفيداً من شبكة علاقات واسعة في الأوساط السياسية والأمنية.
وفي عام 1992، استحوذ على أحواض بناء السفن الفرنسية "CMN"، قبل أن يوسّع أعمال مجموعة "بريفينفست" التي أسسها مع شقيقه أكرم، لتصبح من المجموعات الناشطة دولياً في صناعة السفن الحربية وزوارق الدورية واليخوت الفاخرة، مع عقود في عدد من الدول الخليجية والأوروبية والأفريقية.
ولم يقتصر نشاطه على الصناعات البحرية، بل امتد إلى الإعلام الفرنسي، بعدما استحوذ عام 2015 على مجلة "فالور أكتويل" اليمينية المحافظة، فيما قُدّرت ثروته بنحو 1.45 مليار يورو عام 2023، وفق تصنيف مجلة "شالنج" الفرنسية.
وامتدت تداعيات فضيحة موزمبيق إلى مسؤولين حكوميين، بينهم وزير المالية السابق مانويل تشانغ، الذي حُكم عليه في الولايات المتحدة بالسجن لمدة تقارب عامين، وأُلزم برد 7 ملايين دولار لدوره في القضية.
وهكذا، وبعد عقود من بناء إمبراطورية مالية انطلقت من لبنان وامتدت إلى الأسواق الدولية، يعود اسم إسكندر صفا إلى المحاكم البريطانية عبر أرملته، التي تواجه احتمال تحمّل التزامات مالية مرتبطة بإرث زوجها، فيما تبقى قيمة التعويضات وحدود مسؤوليتها رهن القرارات القضائية المقبلة.

Social Plugin