جوسلين جريس _ الاشرفية نيوز
في ليلةٍ لبنانيةٍ بامتياز، حيث تختلط العادات والتقاليد والانتماءات، وحيث يمكن لتفصيلٍ صغير أن يفتح باباً واسعاً على حكايات العائلة والمجتمع، جاءت مسرحية «الله يستر» لتضع هذا الواقع أمام الجمهور، لا بلهجةٍ ثقيلة ولا بخطابٍ مباشر، بل بابتسامةٍ ذكية وكوميديا تلامس الحياة كما هي.
على خشبة مسرح دوار الشمس – Théâtre Tournesol، وفي العرض الأول الذي أقيم مساء الخميس في الأول من تشرين الأول، اجتمع أهل الفن والإعلام والمجتمع والسياسة والأعمال لمتابعة العمل من تأليف نيبال عرقجي وإخراج علي الاتحاد، وسط أجواء احتفالية سبقت انطلاق العرض، تخللها كوكتيل وحضور لافت للمدعوين.
منذ اللحظات الأولى، بدا واضحاً أن «الله يستر» لا تكتفي بصناعة الضحكة، بل تعرف من أين تأتي بها. فالمسرحية تقترب من واحدة من أكثر المساحات حساسية في المجتمع اللبناني: الاختلافات الثقافية والاجتماعية والدينية، وما يمكن أن ينتج عنها من مواقف ومفارقات عندما تلتقي عائلات من خلفيات مختلفة.
وهنا تكمن قوة العمل؛ إذ استطاع التأليف أن يلتقط تفاصيل من الحياة اللبنانية اليومية، وأن يحوّل التوترات التي يعرفها مجتمعنا إلى مواقف كوميدية سلسة وعفوية، من دون أن يفقد الموضوع عمقه الإنساني. فبدلاً من أن تتحول الفوارق الطائفية إلى خطابٍ مباشر، تصبح على الخشبة مادةً للضحك، وللتأمل أيضاً، وكأن المسرحية تقول إننا نستطيع أحياناً أن نضحك على ما يعقّد حياتنا، فنراه من زاويةٍ أكثر إنسانية.
أما الإخراج، فنجح في منح النص إيقاعه المناسب، وحافظ على المسافة الدقيقة بين الكوميديا والموقف الاجتماعي، بحيث جاءت المشاهد متدفقة، والحركة طبيعية، والتفاعل بين الشخصيات قريباً من تفاصيل البيوت والعائلات اللبنانية، بما يجعل المتفرج يجد شيئاً من حياته أو من حكايات يعرفها في أكثر من مشهد.
واللافت أيضاً هو الانسجام الواضح بين أفراد فريق العمل، حيث جاء الأداء جماعياً ومتناغماً، واستطاع الممثلون تقديم الشخصيات بعفوية وحضور وحسّ كوميدي واضح.
وفي هذا السياق، لا يمكن المرور على أداء الممثل الصديق محمد كمال مروراً عابراً؛ فقد كان حضوره لافتاً، وتمكّن من الإمساك بتفاصيل شخصيته وأبعادها الكوميدية بذكاء وعفوية، مقدماً أداءً يحمل خفةً على الخشبة وحضوراً يفرض نفسه في المشهد. محمد كمال لم يكن مجرد جزء من الحالة الكوميدية، بل كان من العناصر التي أضافت إلى إيقاع العمل وحيويته، وترك حضوره أثراً جميلاً لدى الجمهور.
وقبل رفع الستارة، شهد مدخل المسرح حركةً لافتة مع توافد عدد كبير من الفنانين والمخرجين والإعلاميين والصحافيين والسياسيين ورجال الأعمال وسيدات المجتمع والنقباء، في مشهد عكس الاهتمام الذي يحظى به العمل.
ومن أجمل اللحظات الإنسانية التي رافقت الأمسية، احتفال نقيب الممثلين نعمة بدوي، برفقة عدد من الزملاء الصحافيين والممثلين، بعيد ميلاد الفنان القدير غبريال يمين، في لحظة عفوية حميمة امتزجت فيها المحبة بالتصفيق والوفاء، بعيداً عن أضواء الخشبة، ليصبح المسرح في تلك اللحظة مساحةً للاحتفال بالإنسان قبل الفنان.
ولعلّ ما يجعل «الله يستر» تجربة تستحق المشاهدة هو أنها لا تحاول إعطاء الجمهور درساً، بل تمنحه ساعةً من الضحك، وفي خلفية الضحكة مرآةٌ صغيرة يرى فيها اللبناني نفسه، عائلته، عاداته، حساسياته، وتلك التفاصيل التي تجعل من لبنان فسيفساءً يصعب فهمها أحياناً، لكنها تصلح على المسرح لأن تكون حكايةً جميلة.
ومع التفاعل الذي رافق العرض، يفتح العمل أيضاً الباب أمام توسيع حضوره والوصول إلى جمهور أكبر، وصولاً إلى إمكانية نقل هذه الحكاية من خشبة المسرح إلى الشاشة الكبيرة، بما تحمله من مواقف وواقعية وكوميديا قريبة من الناس.
«الله يستر» ليست مجرد مسرحية للضحك؛ إنها محاولة فنية للاقتراب من واقعٍ لبناني شديد التعقيد، لكن بروحٍ خفيفة، وبكلمات تعرف كيف تضحك من دون أن تجرح، وكيف تطرح السؤال من دون أن تثقل على الجمهور.
ومن هنا، فإن حضور المسرحية يبدو فرصة لمحبي المسرح والكوميديا اللبنانية لاكتشاف عمل يجمع النص الذكي، والإخراج المتماسك، والأداء العفوي، والرسالة الاجتماعية في قالبٍ خفيف ومحبّب.
«الله يستر»... مسرحية تستحق أن تُشاهَد، لأن بعض الحقائق حين تُروى بالضحك، تصل إلى القلب أسرع.
ومن موقع الأشرفية نيوز، نتمنى لفريق العمل كل النجاح والاستمرارية، وللمسرح اللبناني مزيداً من الأعمال التي تجعل من الخشبة مساحةً للضحك، والفكر، واللقاء الإنساني.
____
#achrafieh #achrafiehnews
#beirut #jeg #jocelyne_geryes #jocelyna_geryes #jocelynageryes #jocelynegeryes
#جوسلين_جريس
#الأشرفية #الأشرفية_نيوز #بيروت
on telegram
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا



























Social Plugin