في زمنٍ قد تبدأ فيه الحكايات المؤلمة بخطوة صغيرة، وفضول عابر، أو رغبة في الانتماء إلى مجموعة من الأصدقاء، يأتي المسرح ليقول ما قد تعجز الكلمات المباشرة عن قوله، وليضع الإنسان أمام مرآة خياراته قبل أن يدفع ثمنها. من هنا، تنطلق مسرحية «قصتي»، التي يقدّمها مسرح «شغل بيت» برعاية وزيرة الشؤون الاجتماعية الدكتورة حنين السيد، في مبادرة توعوية تحمل قضية المخدّرات إلى الخشبة، لا لتكتفي بالتحذير من مخاطرها، بل لتقترب من الإنسان، من ضعفه وأسئلته وضغوطه، ومن حاجته إلى من يسمعه قبل فوات الأوان.
المسرحية من إخراج شادي الهبر ورودي قليعاني، وبطولة علي بيضون وميشا صايغ، وهي موجّهة إلى الفئة العمرية من 12 سنة وما فوق، في خطوة تؤكد أهمية الوصول إلى اليافعين في مرحلة دقيقة من تكوين شخصياتهم، حين تتداخل الرغبة في الاستقلال مع الحاجة إلى القبول، وتصبح بعض القرارات محكومة بتأثير المحيط أكثر مما هي نتيجة وعي حقيقي بعواقبها.
وفي كلمته الترحيبية، استهلّ المخرج شادي الهبر حديثه بالاعتذار عن التأخير والترحيب بالحضور، متوجّهًا بالشكر إلى وزيرة الشؤون الاجتماعية الدكتورة حنين السيد على دعم الوزارة ورعايتها للمسرحية، وعلى إيمانها بأهمية المبادرات التوعوية التي تستخدم الفنّ وسيلةً للتواصل مع المجتمع ومعالجة قضاياه.
كما رحّب بمديرة عام وزارة الشؤون الاجتماعية القاضية هالة المولى، شاكرًا إياها على دعمها واهتمامها ومواكبتها للمشروع، وبمدير عام وزارة الصحة الدكتور وئام بوحمدان، مثمّنًا حضوره ودعمه. وخصّ بالشكر السيدة أميرة نصر الدين، مشيدًا بوجودها ومساندتها ومتابعتها التي أسهمت في وصول المشروع إلى هذه المرحلة.
وامتدّ الترحيب إلى رؤساء البلديات وممثليها، ومديري المدارس والجامعات والأساتذة، فضلًا عن الجمعيات والمؤسسات التي شاركت في اللقاء، في مشهد يعكس أهمية تكامل الجهود بين المؤسسات الرسمية والتربوية والاجتماعية والثقافية، حين تكون الغاية حماية الإنسان وبناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات.
عشر سنوات من المسرح القريب من الناس
وفي استعادة لمسيرة مسرح «شغل بيت»، أشار الهبر إلى أنّ المسرح أمضى عشر سنوات في العمل، واضعًا منذ انطلاقته هدفًا يتجاوز الترفيه، ليكون مساحة قريبة من الناس، تفتح الأبواب أمام قضايا اجتماعية وإنسانية وتوعوية تمسّ حياتهم اليومية.
ومن هذا النهج وُلدت «قصتي»، التي لا تتناول خطر المخدّرات من زاوية التحذير وحدها، بل تضع الإنسان وخياراته في قلب الحكاية، وتقترب من الضغوط التي قد يعيشها، ومن الحاجة إلى الإصغاء المتبادل والوقوف إلى جانب بعضنا بعضًا قبل أن تتفاقم المشكلات ويصبح التراجع أكثر صعوبة.
وفي رسالة تختصر فلسفة العمل، شدّد الهبر على أنّ الهدف ليس تقديم محاضرة للجمهور، بل فتح حوار حقيقي، تتشارك فيه وزارة الشؤون الاجتماعية والبلديات والمدارس والجمعيات مسؤولية إيصال الرسالة إلى المجتمع، ولا سيّما إلى التلاميذ وأهلهم.
واختتم كلمته بالتعبير عن امتنانه لحضور المشاركين، معتبرًا أنّ كل شخص موجود قادر على المساهمة في منع تحوّل حكاية مؤلمة إلى واقع جديد، قبل أن يوجّه دعوته إلى الجمهور لمتابعة المسرحية. وهي رسالة تختزل جوهر المبادرة: فكل إنسان يحمل حكاية، ولكل واحد منا دور في المسار الذي ستسلكه هذه الحكاية وفي النهاية التي ستصل إليها.
من ضغط الأصدقاء إلى مواجهة الذات
تقترب «قصتي» من عالم المراهقين بتفاصيله اليومية، حيث تتشابك الخلافات العائلية مع التحديات المدرسية، وتتصادم رغبة الأبناء في الحرية مع مخاوف الأهل وحرصهم على مستقبلهم. وبين الرغبة في الخروج مع الأصدقاء، والبحث عن القبول، ومحاولة الهروب من الضغوط، قد يجد المراهق نفسه أمام خيارات لا يدرك منذ البداية حجم تأثيرها في حياته.
وتبرز خطورة المخدّرات في هذا السياق، حين تُقدَّم على أنها وسيلة للراحة أو النسيان أو التحرر من القلق، فيما قد تتحوّل التجربة تدريجيًا إلى دائرة من الاعتماد والمشكلات النفسية والاجتماعية والعائلية. فالشعور المؤقت بالنشوة لا يحلّ الأزمات، والهروب من الألم لا يعني التعافي منه، ومجاراة الأصدقاء لا تضمن الانتماء، بل قد تجعل الإنسان أبعد عن نفسه وعن الأشخاص الذين يريدون حمايته.
ومن هنا، تحمل المسرحية رسالة مهمة إلى الأهل أيضًا؛ فالحماية لا تقوم على العقاب وحده، كما أنّ الإصغاء لا يعني التخلّي عن التوجيه والحدود. يحتاج المراهق إلى من يرافقه، ويفهم أسئلته، ويساعده على مواجهة ضغوطه، ويمنحه الثقة لطلب المساعدة قبل أن تتحوّل التجربة إلى أزمة يصعب احتواؤها.
حين يصبح الفنّ مسؤولية اجتماعية
تكتسب «قصتي» قيمتها من اختيار المسرح وسيلةً لطرح قضية حسّاسة، إذ يمنح الفنّ الجمهور فرصة لرؤية المواقف من الداخل، والتفاعل مع الشخصيات، والتأمل في الخيارات والنتائج. فالمشهد الذي يلامس تجربة قريبة من الواقع قد يفتح بابًا لحوار مؤجّل داخل منزل، أو يدفع طالبًا إلى إعادة التفكير في قرار، أو يشجّع أهلًا على الاقتراب أكثر من أبنائهم.
ولا يمكن لمواجهة آفة المخدّرات أن تقوم على التوعية وحدها بمعزل عن الرعاية والدعم، لكنها تبدأ بالوعي وتتعزّز بالحوار والتعاون بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية والصحية. وهذا ما تسعى إليه المبادرة من خلال توسيع دائرة الشراكة، وتحويل الرسالة المسرحية إلى فرصة للنقاش والتفاعل مع فئة تحتاج إلى خطاب صادق يلامس واقعها ويحترم أسئلتها.
وبين عنوان «قصتي» وما يحمله من دلالات، تبرز فكرة إنسانية عميقة: ليست الحكاية محكومة دائمًا ببدايتها، وليس الخطأ نهاية الطريق، لكنّ التدخّل المبكر، والإصغاء، وطلب المساعدة، قد تكون جميعها عوامل حاسمة في تغيير مسارها.
إنّ مسرح «شغل بيت»، عبر عشر سنوات من العمل، يواصل الرهان على قدرة المسرح على الاقتراب من الناس وفتح الملفات التي تستحق المواجهة، فيما تأتي «قصتي» لتذكّر بأنّ حماية الشباب ليست مسؤولية الأهل وحدهم، ولا المدرسة وحدها، ولا المؤسسات الرسمية منفردة، بل مسؤولية مجتمع كامل يستطيع أن يتكاتف كي لا تتحوّل قصص أبنائه إلى حكايات خسارة وندم.
فأحيانًا، قد تكون كلمة صادقة في الوقت المناسب، أو يد تمتدّ قبل السقوط، أو مساحة آمنة للكلام، بدايةً مختلفة لحكاية كان يمكن أن تسلك طريقًا آخر.
مسرحية «قصتي» — مسرح شغل بيت
* برعاية وزيرة الشؤون الاجتماعية الدكتورة حنين السيد.
* الإخراج: شادي الهبر ورودي قليعاني.
* التمثيل: علي بيضون وميشا صايغ.
* الفئة العمرية: 12 سنة وما فوق.
* للحجز والاستفسار: 03 082 371.
من موقع الأشرفية نيوز، تبقى الرسالة الأهم أنّ حماية الإنسان تبدأ حين نصغي إليه، وأنّ بعض الحكايات يمكن إنقاذها قبل أن تتحوّل إلى وجع، إذا أدركنا جميعًا أنّ لكلّ قصة مستقبلًا يمكننا أن نساعد في تغييره.
on telegram
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا




Social Plugin