اتحاد المودعين من أمام قصر العدل : تحرير الودائع وحقوق الناس بالتكافل والتضامن وبقوة القانون


مع انتهاء العطلة القضائية وانطلاق السنة القضائية الجديدة، تحوّل محيط قصر عدل بيروت صباح اليوم الأربعاء 16 أيلول إلى مساحة احتجاجية رفعت عنواناً واحداً: التمسّك بحقوق المودعين ورفض التعامل مع أموال الناس باعتبارها مجرّد «فجوة» مالية.

وبمشاركة نحو 50 مودعاً، بينهم أساتذة وعسكريون متقاعدون، يمثلون نحو 130 منتسباً، نظّم «اتحاد المودعين»، تحت مظلة تجمّع «متحدون ضد الظلم»، وقفة احتجاجية أمام قصر العدل، في تحرك ركّز على دور القضاء في حماية الحقوق وإعادة الأموال إلى أصحابها، وعلى ضرورة توحيد جهود المتضررين من الأزمة المالية والاقتصادية.

وفي كلمته، شدّد مؤسس تحالف «متحدون ضد الفساد» ومنسّق تجمّع «متحدون ضد الظلم» رامي عليق على أن اختيار قصر العدل مكاناً للتحرك ليس صدفة، باعتبار أن القضاء، وفق طرحه، يشكّل المدخل الأساسي للعدالة وبناء دولة القانون والمؤسسات.
وأشار عليق إلى ما وصفه بـ«النقاط المضيئة» في القضاء اللبناني، متوقفاً خصوصاً عند صدور وتنفيذ حكم قضائي أتاح لأحد المودعين استعادة وديعته كاملة مع فوائدها ومصاريف التنفيذ من فرنسبنك، معتبراً أن هذه السابقة تفتح، من وجهة نظره، مساراً قانونياً للمطالبة بالحقوق.

ودعا عليق القضاة إلى الاستمرار في ممارسة دورهم باستقلالية وشجاعة، مشيراً إلى أن المطالبة القانونية، بحسب ما طرحه، يجب أن تبدأ من المصارف باعتبارها الطرف المباشر الذي تعامل معه المودعون، قبل الانتقال، وفق ترتيب المسؤوليات القانونية، إلى سائر الجهات التي قد تثبت مسؤوليتها.

وفي هذا السياق، طرح الاتحاد التوجه نحو الحجز على أصول وأموال المصارف في لبنان والخارج والمطالبة بالتعويض عن الأضرار، بالتوازي مع تحميل كل جهة مسؤوليتها القانونية، بما فيها مصرف لبنان وسائر الأطراف التي قد تثبت مسؤوليتها أمام القضاء.

كما أعلن عليق إطلاق تجمع «متحدون ضد الظلم» ليكون إطاراً جامعاً للمودعين ومتقاعدي الجيش والقوى الأمنية والمدنيين وسائر المتضررين من تداعيات الأزمة، مؤكداً أن الهدف، وفق ما ورد في كلمته، هو توحيد المظلومين بعيداً عن الاصطفافات الطائفية والحزبية، والاحتكام إلى القضاء والمؤسسات.

وتطرّق أيضاً إلى ما اعتبره أسباباً أضعفت التحركات السابقة، متحدثاً عن تدخلات سياسية ومحاولات تشويه لبعض التحركات، ومشدداً على ضرورة إبقاء التجمع بعيداً عن أي جهة تستخدم قضية المودعين لأهداف أخرى.

وفي رسالة مباشرة إلى مؤسسات الدولة، أكد عليق أن التحرك لا يستهدف الدولة ومؤسساتها، بل يطالبها بتحمّل مسؤولياتها، موجهاً دعوة إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ومجلس النواب، إضافة إلى قيادة الجيش والقوى الأمنية، للتعامل مع ملف الودائع وحقوق المتضررين باعتباره قضية وطنية.

أما المؤهل أول المغوار المتقاعد خالد أبو هميه، فتحدث باسم العسكريين المتقاعدين، مستحضراً معاناة العسكريين منذ عام 2019، ومطالباً القضاء بإنصاف من أمضوا سنوات في الخدمة وحموا المؤسسات والمواطنين.

وقال إن العسكريين المتقاعدين لم يحصلوا، بحسب ما عرض، إلا على جزء محدود من مستحقاتهم، معتبراً أن التعويضات الحالية لا تتناسب مع سنوات الخدمة والتضحيات التي قدموها، وموجهاً رسالته إلى القضاء من أمام قصر العدل: أن ينظر إلى أوضاع العسكريين الذين يؤمّنون الحماية للمؤسسات والقضاة أنفسهم.

بدوره، رفع المودع حسن جلوان سقف اعتراضه على إدارة الملف المالي، متحدثاً عن غياب الوضوح والمحاسبة وعن ضرورة إجراء التدقيق الجنائي لمعرفة مصير الأموال والمسؤوليات.
وانتقد جلوان ما اعتبره تفاوتاً كبيراً بين أوضاع المواطنين، ولا سيما المودعين والعسكريين والمتقاعدين، وبين ما وصفه بالامتيازات التي يحصل عليها مسؤولون، متوجهاً برسائل مباشرة إلى حاكم مصرف لبنان والنواب ورئيس الجمهورية، ومطالباً باستعادة أموال المودعين وعدم تحميل المواطنين وحدهم كلفة الأزمة.

وفي مداخلته، تحدث المودع عبدالله بريدي عن حق الملكية الخاصة، معتبراً أن ما يحصل مع المودعين يمسّ جوهر هذا الحق، وموجهاً نداءً إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة للمساهمة في إعادة الودائع إلى أصحابها.
وروى بريدي تجربته الشخصية، مشيراً إلى سنوات من العمل في الخارج وتحويل الأموال إلى حسابه المصرفي في لبنان بهدف تأمين مستقبل أولاده وتعليمهم، قبل أن يجد نفسه أمام صعوبة في تأمين احتياجات أسرته وتعليم أبنائه نتيجة القيود المفروضة على أمواله.

كما أشار إلى الفارق الكبير بين قيمة الأموال عند بداية الأزمة وقيمتها الحالية إذا ما قورنت بسعر الذهب، معتبراً أن المودع لا يطالب بمساعدة أو منّة، بل بأمواله التي عمل من أجلها.

ومن جهته، شدّد خالد شموري، نائب رئيس بلدية المرج في البقاع، على معاناة العسكريين الذين أمضوا بين 20 و30 عاماً وأكثر في الخدمة، متحدثاً عن سنوات من الغياب عن العائلات والمخاطر والتهديدات التي رافقت أداء الواجب، ومطالباً بأن ينظر القضاء إلى حقوقهم وتعويضاتهم بعين العدالة.
وتخلّل الوقفة أيضاً الإعلان عن مجموعة خطوات تنظيمية، أبرزها العمل على إنشاء صندوق لدعم تحركات التجمع وتغطية نفقاتها بمشاركة المقيمين والمغتربين، إلى جانب إعداد آلية للتكافل في تغطية نفقات الدعاوى القضائية بصورة جماعية.

كما أعلن المشاركون التوجه إلى إعداد رسالة موقعة من المنتسبين الحاليين والجدد إلى اتحاد المودعين وتجمع «متحدون ضد الظلم»، لتوجيهها إلى رئاسات الجمهورية والحكومة ومجلس النواب وقيادة الجيش ومنظمات حقوق الإنسان في لبنان والخارج، ووضع مختلف الجهات أمام مسؤولياتها تجاه ملف الودائع والحقوق الاجتماعية والمعيشية.

وفي موازاة ذلك، يجري العمل، وفق ما أُعلن خلال الوقفة، على تشكيل لجنة من المحامين لمؤازرة المشاركين قانونياً والتصدي لأي محاولات لاستهدافهم، بما يعزز العمل الجماعي داخل الاتحاد والتجمع.

وختم رامي عليق كلمته برسالة ذات طابع وطني وإنساني، مستعيداً عبارة من كتابه «طريق النحل» عن الوطن الذي يحب أبناءه ويحتضنهم، مؤكداً أن المعركة التي يطرحها التجمع ليست فقط معركة أموال، بل قضية تتصل بالعدالة وبعلاقة المواطن بدولته ومؤسساتها.

ومن أمام قصر عدل بيروت، حمل المودعون رسالتهم إلى بداية السنة القضائية الجديدة: لا يريدون أن تبقى حقوقهم ملفاً مؤجلاً، ولا أن تُختصر أموالهم بكلمة «فجوة»، بل يطالبون بأن يكون القانون والقضاء الطريق إلى استعادة الحقوق ومحاسبة المسؤولين عنها.