يتصاعد القلق داخل الولايات المتحدة وأوروبا من أن تكون روسيا بصدد الانتقال من اختبار حدود حلف شمال الأطلسي إلى اختبار تماسكه نفسه، مع بناء بنية تحتية جديدة لإطلاق الطائرات المسيّرة قرب حدود القارة، وتزايد الاختراقات الجوية، وتحذيرات استخبارية أميركية من احتمال أن يلجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى عملية محدودة ضد إحدى دول الحلف، في سيناريو قد يفتح، إذا خرج عن السيطرة، الباب أمام مواجهة مباشرة بين موسكو و«الناتو».
وبحسب تقرير للصحافي إيتام ألمادون في مجلة "N12" الإسرائيلية، أظهرت صور أقمار اصطناعية استندت إليها صحيفة "تلغراف" البريطانية أخيرًا بنية عسكرية روسية جديدة تضم 10 قواعد و59 منصة إطلاق مخصصة على الأقل، إلى جانب طائرات مسيّرة يستطيع بعضها التحليق لمسافة تقارب 1000 كيلومتر.
وأُقيمت هذه المنشآت على امتداد الحدود مع بيلاروسيا وأوكرانيا، فيما استُخدمت 7 من المواقع بالفعل في هجمات واسعة على كييف.
ويؤدي موقع هذه القواعد ومدى الطائرات المسيّرة الموجودة فيها إلى توسيع نطاق التهديد إلى أبعد بكثير من الأراضي الأوكرانية، بما يضع مدنًا رئيسية داخل أراضي «الناتو»، وفي مقدمها وارسو عاصمة بولندا، ضمن المدى المحتمل للاستهداف.
وبالتوازي، تتزايد في واشنطن الشكوك حيال الخطوة المقبلة لبوتين، بعدما كثرت خلال الأشهر الأخيرة التقارير التي تتحدث عن استعداد روسي متزايد لاختبار تماسك حلف شمال الأطلسي، انطلاقًا من تقدير في موسكو بأن الحلف أضعف وأكثر هشاشة مما يُظهر.
وتشير تقارير استخبارية أميركية، نقلت عنها صحيفة «وول ستريت جورنال»، إلى أن بوتين قد يحاول اختبار هذا التماسك من خلال عملية محدودة ضد دولة عضو في الحلف، تتراوح بين هجوم سيبراني وتوغل محدود تنفذه قوات مسلحة غير معرّفة الهوية.
وبحسب التقرير، يبدأ الإطار الزمني المحتمل لمثل هذا السيناريو اعتبارًا من الخريف المقبل، ويمتد حتى عام 2029.
إلا أن الأدميرال جيامباولو دي باولا، الرئيس السابق للجنة العسكرية في «الناتو»، لا يعتبر في الوقت الحالي أن اجتياح روسيا دولة عضوًا في الحلف هو السيناريو الأكثر ترجيحًا.
ودي باولا، الذي شغل أيضًا منصبي رئيس هيئة أركان الدفاع ووزير الدفاع في إيطاليا، ويعمل حاليًا مستشارًا لصندوق تكنولوجيا الدفاع الإسرائيلي «كينيتيكا»، يقول إنه تعلّم خلال السنوات الأخيرة عدم استبعاد أي احتمال فقط لأنه يبدو غير منطقي.
وقال في مقابلة خاصة مع مجلة «N12»: «لا أعتقد أنه من المرجح أن تفتح روسيا، وهي تواجه أصلًا حربًا في أوكرانيا، هجومًا تقليديًا أو تقوم بعمل عدائي ضد دولة في الناتو».
وأضاف: «هي تعرف جيدًا أنه في مثل هذه الحالة سيرد الناتو».
لكن دي باولا سارع إلى إضافة تحذير واضح: «لا تقل أبدًا أبدًا. روسيا ارتكبت خطأ هائلًا عندما غزت أوكرانيا. هذا يعني أن لا أحد كامل، وحتى بوتين يستطيع ارتكاب خطأ خطير».
ويرى دي باولا أن السيناريو الأكثر خطورة ليس بالضرورة دخول الدبابات الروسية عبر حدود إحدى دول الحلف، بل أن يلجأ بوتين إلى عمل أكثر تعقيدًا وتحت مستوى الرد التلقائي.
وقال: «أفكر أكثر في التضليل الإعلامي وفي هجوم سيبراني».
وأضاف: «إذا أرادت روسيا اختبار رد فعل الحلفاء، أو تضامنهم، أو كيفية تحركهم، فمن المرجح أن تحاول تنفيذ نشاط سيبراني، وإذا أمكن تحت العتبة التي تستدعي ردًا وفق المادة 5».
وتنص المادة 5 من معاهدة شمال الأطلسي على أن أي هجوم على دولة واحدة في الحلف يُعد هجومًا على جميع أعضائه.
وبحسب عقيدة «الناتو»، يمكن حتى لهجوم سيبراني، في ظروف معينة، أن يبرر تفعيل هذه المادة، إلا أن تحديد اللحظة التي يجتاز فيها نشاط سيبراني معادٍ العتبة التي تستوجب ردًا جماعيًا يبقى أكثر تعقيدًا بكثير من حالة عبور دبابات حدود دولة عضو.
وضرب دي باولا مثالًا على ذلك، معتبرًا أن هجومًا يؤدي إلى تعطيل البنية التحتية للطاقة في إستونيا قد يتجاوز بوضوح العتبة المطلوبة، في حين أن إرباكًا محدودًا لخطوط الاتصالات سيضع دول الحلف أمام معضلة أكثر تعقيدًا.
وقال: «قد يكون ذلك محاولة لتعطيل قدرة اتصالات للناتو أو قدرة للقيادة والسيطرة، لكن بمستوى لا يكون مرتفعًا بما يكفي لإثارة رد تلقائي».
وبحسب دي باولا، سيكون الهدف من خطوة كهذه، إذا حدثت، اختبار ما إذا كانت الدول الـ32 التي تعهدت بالدفاع عن بعضها ستقف فعلًا معًا في لحظة الحقيقة.
ويبرز التهديد الروسي بصورة خاصة على الجناح الشرقي للحلف، ولا سيما في دول البلطيق وبولندا ورومانيا، إلا أن دي باولا يحذر من التعامل معه باعتباره مشكلة خاصة بدول خط المواجهة فقط.
وقال: «كل الحلفاء يجب أن يكونوا مستعدين».
وأضاف: «إذا حدث شيء لإستونيا، فبسبب المادة 5، نحن، الحلفاء الأوروبيين والولايات المتحدة، ملزمون بالمجيء لمساعدتها».
ويشدد دي باولا على أن هذه الرسالة يجب أن تكون واضحة قبل كل شيء في موسكو.
وقال: «علينا أن نظهر لروسيا أننا متحدون، وأن الدفاع عن إستونيا هو دفاع جميع الحلفاء، إيطاليا واليونان وتركيا والجميع».
ومن هنا يصل إلى تحذيره الأكثر حدة، قائلًا: «إذا تورط الناتو وروسيا في حرب، فستكون هذه الحرب العالمية الثالثة».
وأضاف أن مثل هذه المواجهة قد تحمل أيضًا «تداعيات نووية محتملة».
ولهذا السبب تحديدًا، يرى دي باولا أن المهمة الأساسية أمام «الناتو» تتمثل في جعل الكرملين مقتنعًا بأن ثمن أي مغامرة عسكرية من هذا النوع سيكون مرتفعًا إلى حد لا يمكن تحمله.
وقال: «الردع يعني جعل الخصم يفهم أنك مستعد للرد وبسرعة».
وأضاف: «علينا أن نقنع بوتين بأنه إذا حاول القيام بشيء غبي ضد إحدى دول الحلف، فسيكون هناك رد. هذا هو المفتاح: جعل بوتين مقتنعًا تمامًا بأنه لا يستطيع تجربة شيء كهذا ضد الناتو».
وفي الوقت نفسه، تشير الوقائع الميدانية إلى أن الاختبارات الروسية الأصغر حجمًا تجري أصلًا بوتيرة شبه يومية.
وبحسب بيانات قيادة «الناتو»، ارتفع خلال شهر تموز عدد عمليات إقلاع الطائرات المقاتلة في مهمات عملياتية على الجناح الشرقي للحلف بأكثر من 250% مقارنة بتموز 2025.
ويربط الحلف هذا الارتفاع بالزيادة الملحوظة في الرحلات الروسية قرب حدود «الناتو»، والتي تتم أحيانًا من دون تشغيل أنظمة التعريف، في نشاط يُفسر على أنه محاولة لجمع المعلومات الاستخبارية وإظهار القوة واختبار منظومات الدفاع التابعة لدول الحلف.
وسبق للتهديد أن تجاوز الحدود بالفعل.
ففي أيلول 2025، دخلت نحو 19 طائرة مسيّرة روسية المجال الجوي البولندي من جهة بيلاروسيا، ما دفع طائرات «الناتو» إلى الإقلاع لاعتراضها.
ومنذ ذلك الحين، ازدادت التقارير عن حوادث مشابهة في أجواء دول أعضاء في الحلف.
وقبل نحو شهر، كاد انفجار طائرة مسيّرة مسلحة قرب طائرة أوكرانية متوقفة في مطار لايبزيغ الألماني أن يقع، قبل أن يمر الحادث من دون كارثة.
ولم تتبنَّ روسيا المسؤولية عن الحادث، لكن ألمانيا حمّلتها هذا الأسبوع المسؤولية عنه.
وعندما سُئل دي باولا عن الشكل الذي يمكن أن تتخذه العملية الروسية المحدودة التي تحذر منها الاستخبارات الأميركية، أجاب مبتسمًا: «لو كنت أعرف لكنت نابليون».
وأضاف: «بوتين غير قابل للتوقع. قبل غزو أوكرانيا لم يكن أحد ليراهن على أن روسيا ستغزو، لكنه فعل ذلك».
ورغم هذه التحذيرات، يبدي دي باولا ثقة بأن ميزان القوى الشامل يميل لمصلحة «الناتو» إذا اندلعت مواجهة مباشرة.
فإذا تمكنت أوكرانيا طوال سنوات من إبطاء الجيش الروسي ووقف تقدمه، فإن «الناتو»، الذي يضم 32 دولة بينها 3 قوى نووية، يمتلك قوة عسكرية أكبر بكثير.
لكن انتقادات دي باولا تتركز بصورة أساسية على توزيع الأعباء داخل الحلف وعلى اعتماد أوروبا المستمر على الولايات المتحدة.
وقال: «على الحلفاء إعادة التوازن إلى مساهمتهم في الناتو».
وأضاف: «الأوروبيون يجب أن يتحملوا جزءًا أكبر. حتى اليوم كان واضحًا أن القدرات العملياتية للناتو اعتمدت إلى حد كبير على الولايات المتحدة».
وهذا الجدل ليس جديدًا، إذ يرافق الحلف منذ عقود وقبل ولايات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكنه اكتسب خلال عهده لهجة أكثر حدّة، وصولًا في بعض الأحيان إلى خطاب غير مسبوق من رئيس أميركي تجاه حلفائه.
والرسالة القادمة من واشنطن إلى أوروبا واضحة: على القارة أن تتحمل مسؤولية أكبر بكثير عن أمنها.
ومع ذلك، يرفض دي باولا الدعوات إلى انفصال أمني أوروبي عن الولايات المتحدة.
وقال: «الناتو هو أفضل دفاع لأوروبا، والناتو يعني أوروبا زائد أميركا».
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أوروبا يجب أن تبني قدرة تمكّنها من الصمود حتى في حال قلصت واشنطن مستقبلًا مستوى انخراطها.
وقال: «إذا ركزت الولايات المتحدة في المستقبل على ساحة أخرى ولم تعد قادرة على توفير جميع القدرات التي توفرها حاليًا، فيجب أن يكون الأوروبيون قادرين على فعل ذلك بأنفسهم».
وأضاف: «أفضل طريقة هي إلى جانب الولايات المتحدة، لكن إذا لم تستطع، لأي سبب، أن تكون موجودة، فيجب أن نكون قادرين على القيام بذلك وحدنا».
ويضاف إلى ذلك ما يُنشر عن تآكل مخزونات الذخيرة الأميركية.
وقال دي باولا: «إذا كان ذلك يقلق الولايات المتحدة، والولايات المتحدة حليف مركزي في الناتو، فمن الطبيعي أن نكون نحن أيضًا قلقين».
ومن جهة أخرى، يرى دي باولا أن الحرب في أوكرانيا غيّرت شكل ساحة القتال، وكشفت مجالات لا يستطيع «الناتو» أن يسمح لنفسه بالتأخر فيها.
وقال: «أحد الأمور البارزة جدًا في الحرب هو استخدام الأنظمة غير المأهولة».
وأضاف أن ذلك يشمل الطائرات المسيّرة في الجو، والمركبات على البر، والوسائل العاملة فوق سطح الماء وتحت الماء.
وفي وقت بُني فيه «الناتو» بصورة أساسية لمواجهة تهديدات تقليدية كبيرة، تستطيع الطائرات المسيّرة الصغيرة والرخيصة التحليق أحيانًا «تحت الرادار»، بالمعنى الحرفي والمجازي.
ووفق تقرير صادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن «IISS»، استخدمت موسكو خلال عام ونصف العام طائرات مسيّرة اخترقت المجال الجوي لما لا يقل عن 12 دولة أوروبية، مستغلة ثغرات في منظومات دفاع الحلف.
وقال دي باولا: «على الناتو أن يصبح رائدًا في القدرة على استخدام الأنظمة غير المأهولة إلى جانب الأنظمة المأهولة، وفي القدرة على تحريك قواته سريعًا إلى حيث يوجد الخطر».
وأضاف: «وعليه أيضًا معرفة كيفية استخدام التقنيات الجديدة التي تدخل ساحة المعركة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، من أجل الرد بصورة أسرع وأكثر فاعلية».
كذلك يضع دي باولا الفضاء ضمن المجالات الأساسية في أي مواجهة مستقبلية.
وقال: «الفضاء أصبح بالفعل جزءًا لا يتجزأ من ساحة القتال».
وتسهم الأقمار الاصطناعية، ولا سيما تلك الموجودة في مدارات منخفضة، في تعزيز قدرات الاستخبارات والمراقبة والإنذار المبكر.
إلا أن دي باولا يضع فوق جميع هذه المجالات أولوية يعتبرها الأكثر إلحاحًا، وهي الدفاع الجوي.
وقال: «الدفاع الجوي هو المجال الأول والأهم الذي يجب علينا تحسينه».
وأضاف أن ذلك يشمل «الدفاع ضد الصواريخ، والصواريخ فرط الصوتية، والصواريخ دون سرعة الصوت، والطائرات المسيّرة».
وهنا أيضًا يعود إلى مسألة المسؤولية الأوروبية، معتبرًا أن القارة لا تستطيع الاكتفاء بالاعتماد على أنظمة أميركية مثل «باتريوت».
وقال: «كأوروبيين، يجب أن نكون قادرين على توفير دفاع جوي قوي جدًا على امتداد كل الأراضي الأوروبية التابعة للناتو».
وختم بالقول إن «التحذير الأميركي يجب أن يكون بمثابة جرس إنذار للحلفاء الأوروبيين كي يبقوا يقظين، بأعين مفتوحة ومستعدين للرد».
وبذلك، لا يتمحور القلق الغربي فقط حول احتمال عبور قوات روسية حدود دولة عضو في «الناتو»، بل حول سيناريو أكثر ضبابية يحاول فيه بوتين اختبار الخط الفاصل بين الاستفزاز والحرب، لأن الخطر الحقيقي يبدأ إذا أخطأ أحد الطرفين في تقدير اللحظة التي يتحول فيها «الاختبار المحدود» إلى مواجهة بين قوتين نوويتين لا يعود بعدها التصعيد قابلًا للضبط.
Whatsapp Channel
https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h
on telegram
https://t.me/achrafieh_news
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا

Social Plugin