في ظل الشكاوى المتزايدة من تفاوت الأسعار واتساع هامش الرقابة المطلوب في الأسواق، يبرز ملف حماية المستهلك كواحد من أكثر الملفات التصاقًا بالحياة اليومية للبنانيين، ولا سيما في ظل قانون مضى على إقراره نحو 20 عامًا، فيما لا تزال غراماته محتسبة على أساس سعر صرف 1500 ليرة للدولار، ما أفقدها جزءًا كبيرًا من قدرتها الردعية.
وفي مقابلة ضمن برنامج "3:15 إجتماع" عبر شاشة "RED TV"، أوضح مدير حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة المهندس طارق يونس أن لبنان يعمل ضمن نظام اقتصادي ليبرالي حر، وبالتالي فإن أسعار معظم المنتجات تخضع لقانون العرض والطلب، في حين لا تتولى الدولة التسعير المباشر إلا في عدد محدود من السلع، أبرزها المحروقات والخبز والتبغ.
وأشار إلى أن المنتجات الأخرى تخضع، بموجب القانون، لهوامش ربح محددة تتراوح بين 10% و20%، موضحًا في الوقت نفسه أن هامش الربح لا يمكن التعامل معه بطريقة موحدة في جميع نقاط البيع، لأن كلفة التشغيل تختلف من مؤسسة إلى أخرى.
وقال إن "لا أحد يبيع بخسارة"، لافتًا إلى أن لكل تاجر هامش الربح الذي يناسبه وفق كلفة التشغيل ومصاريف المحل، ولا يمكن فرض النسبة نفسها على سوبرماركت كبير ومتجر صغير داخل أحد الأحياء.
ولفت إلى أن الموردين يلعبون بدورهم دورًا أساسيًا في تكوين الأسعار، باعتبار أن كلفة التوريد تنعكس بصورة مباشرة على السعر النهائي الذي يصل إلى المستهلك.
وتطرق إلى واقع موظفي مديرية حماية المستهلك، مشددًا على أن الموظف في المديرية هو مواطن قبل أن يكون موظفًا ويتأثر بالأزمة كما يتأثر بها سائر اللبنانيين، فضلًا عن كونه موظفًا في القطاع العام ويعاني بدوره من مشكلات مرتبطة براتبه.
وفي ملف قانون حماية المستهلك، أوضح يونس أن القانون المعمول به مضى على إقراره نحو 20 عامًا، وهي فترة شهد خلالها لبنان تغيرات اقتصادية ومالية كبيرة، في حين بقيت الغرامات في القانون النافذ محتسبة على أساس سعر الصرف القديم، أي 1500 ليرة للدولار، ما يجعل قيمتها الحالية ضئيلة جدًا.
وكشف أن هناك جهات كثيرة من مصلحتها عرقلة قانون حماية المستهلك، معتبرًا أنها تشكل "لوبيًا" يضغط في هذا الاتجاه.
وأشار إلى أن مشروع قانون حماية المستهلك الجديد عالق في التجاذبات منذ نحو 10 سنوات قبل أن يصل إلى مجلس النواب، مؤكدًا أن العمل سيتركز على إقراره بأقصى سرعة ممكنة.
ومن أبرز الثغرات التي توقف عندها يونس طول المسار القانوني لمحاضر الضبط، إذ أوضح أن المحضر قد يستغرق سنتين أو حتى 3 سنوات قبل صدور النتيجة النهائية.
واعتبر أن هذا التأخير يضعف عنصر الردع، لأن المخالف عندما لا يشعر بأنه ملزم بدفع الغرامة بسرعة لا تكون المخالفة كافية لمنعه من تكرارها.
وقال إن المديرية تنسق في هذا الإطار مع النيابة العامة التمييزية، لافتًا إلى أن الإجراءات قد تصل إلى حد مصادرة المولدات في حال تعاون البلديات.
وشدد يونس على أن البلديات تشكل عنصرًا أساسيًا في منظومة الرقابة على أسعار السلع ضمن نطاقها الجغرافي، موضحًا أن مديرية حماية المستهلك لا تستطيع العمل ميدانيًا بمفردها وتحتاج إلى تعاون مباشر وفعال من السلطات المحلية.
ولفت إلى أنه إذا قامت كل بلدية بتعيين مراقب واحد فقط، فإن ذلك يعني عمليًا إضافة نحو 1500 مراقب إلى مراقبي وزارة الاقتصاد والتجارة، بما يوسع القدرة على متابعة الأسواق بصورة كبيرة.
وأكد في هذا السياق الحاجة إلى عقوبات قاسية ورادعة بحق المخالفين، ليس فقط لمعاقبة من يرتكب المخالفة، بل أيضًا لمنع تكرارها وردع أي جهة قد تفكر في القيام بها.
وفي المقابل، أوضح أن وزارة الاقتصاد لا تملك صلاحية مباشرة على البلديات، مستعيدًا تجربة سابقة في عهد الوزير السابق عندما طُلب من البلديات التعاون في ملف تركيب العدادات، إلا أن عددًا قليلًا منها تجاوب مع الطلب.
وعن آلية عمل المراقبين في الأسواق، أوضح أن أول ما يقوم به المراقب عند دخوله إلى أي نقطة بيع هو التأكد من إعلان الأسعار بوضوح، وفي حال عدم الالتزام بذلك يتم تسجيل مخالفة بحق الجهة المعنية.
كما لفت إلى أن المواطن يستطيع تقديم شكوى مباشرة عبر التطبيق الإلكتروني "MOET"، على أن تصله لاحقًا نتيجة التحقيق في الشكوى التي تقدم بها.
وبين قانون فقدت غراماته قيمتها الردعية مع تبدل سعر الصرف، ومشروع جديد عالق منذ سنوات، ونقص في عدد المراقبين، يضع ملف حماية المستهلك المسؤولية في أكثر من اتجاه: تشريع أسرع، عقوبات أكثر فاعلية، وبلديات أكثر حضورًا على الأرض.

Social Plugin