شهد قصر بعبدا، في 31 آب 2026، سلسلة لقاءات سياسية وروحية واقتصادية، تمحورت حول التمسك بخيار الدولة وتعزيز سيادتها ومؤسساتها، ودعم الجيش، إلى جانب تحريك الاقتصاد واستعادة لبنان دوره العربي.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن «لا غنى عن الدولة، فهي التي تحمي الجميع وليس العكس»، مشدداً على أن التجارب أثبتت أن أحداً لا يستطيع أن يملأ مكان الدولة أو يأخذ دورها.
وقال عون إن بناء المؤسسات مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق الحكومة أو مجلس النواب وحدهما، مضيفاً: «لدينا علم واحد وهوية واحدة، وعلينا العودة إلى كنف الدولة التي تصوننا من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب».
كلام عون جاء خلال استقباله البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرين ميناسيان، كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك، على رأس وفد جامع مثّل الكنيسة والطائفة الأرمنية الكاثوليكية.
وأكد ميناسيان أن الوفد جاء حاملاً رسالة محبة وتقدير وثقة ومؤازرة باسم أبناء الطائفة في لبنان والانتشار، مشيراً إلى أنه يضم إكليروساً وعلمانيين وشخصيات وكفاءات تعمل في مؤسسات الدولة وإداراتها، من مسؤولين سياسيين ومديرين عامين وموظفين وأصحاب اختصاص وخبرة.
وأوضح أن تنوّع الوفد يمثل رسالة تؤكد أن الطائفة الأرمنية الكاثوليكية متجذرة في لبنان منذ قرون، وحاضرة في كنيسته ودولته ومؤسساته، وأن حضورها يهدف إلى خدمة لبنان بعيداً من المصالح الضيقة والحسابات الخاصة.
وقال إن الأرمن لم يأتوا إلى لبنان لإقامة عابرة، بل احتضنهم الوطن في أصعب مراحل تاريخهم، فبادلوه الوفاء وأسهموا في بناء اقتصاده وثقافته وتربيته وصناعته وفنونه ومؤسساته، وخدموا الدولة بإخلاص مع الحفاظ على إيمانهم وهويتهم وتراثهم.
وأكد ميناسيان أن الطائفة لا تطلب موقعاً أو منصباً، بل تعتبر أن موقعها الحقيقي هو حيث تكون خدمة لبنان، وأن مشاركتها يجب ألا تُقاس بعدد المناصب، بل بمقدار ما يقدمه أبناؤها من نزاهة وكفاءة وإخلاص للدولة، واضعاً طاقات الطائفة وخبراتها في تصرف رئيس الجمهورية.
وشكر ميناسيان الرئيس عون واللبنانية الأولى نعمت عون على مشاركتهما في روما في إعلان قداسة القديس إغناطيوس مالويان، معتبراً أن حضور رئيس الجمهورية لم يكن مشاركة رسمية في مناسبة كنسية فحسب، بل وقفة وطن إلى جانب مكوّن أصيل من مكونات لبنان.
وأضاف أن الأرمن الكاثوليك في لبنان والانتشار شعروا يومها بأن لبنان كان حاضراً معهم في فرحهم وذاكرتهم، مؤكداً أن ما جمعهم في روما حول قديس شهيد، يجمعهم في بعبدا حول وطن يريدونه سيداً وحراً وآمناً وقوياً بدولته ووحدة أبنائه.
وأكد ميناسيان أن الكنيسة تلتقي مع عون على خيار الدولة من دون تردد، لأنها تؤمن بأنه لا خلاص للبنان خارجها، ولا حماية حقيقية لأي مكوّن بعيداً منها، ولا مستقبل للبنانيين إلا في دولة قوية وعادلة تحت سقف الدستور والقانون، تحتكر القرار السيادي وتحمي الجميع بالمساواة.
وأشاد بمساعي عون لتثبيت سيادة لبنان ودعم الجيش والمؤسسات الأمنية وإعادة انتظام مؤسسات الدولة، واستعادة العلاقات العربية والدولية، والدفع نحو الإصلاح وتجديد ثقة اللبنانيين بوطنهم.
وأشار إلى أن بناء الدولة في ظل الأزمات والانقسامات ليس مهمة سهلة، لكنه يتطلب قرارات واضحة وشجاعة تضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار، لأن الدولة لا تُبنى بالتسويات المؤقتة.
ودعا ميناسيان عون إلى المضي في مشروع الدولة وجمع اللبنانيين وحماية الدستور وتثبيت السيادة على كامل الأراضي اللبنانية ودعم الجيش والمؤسسات ومكافحة الفساد، مؤكداً أن الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية لن تكون على الحياد عندما تكون الدولة هي القضية.
وشدد على أن الكنيسة تقف إلى جانب كل موقف يحفظ لبنان وكل قرار يعيد إلى الدولة هيبتها وكل إصلاح يحمي حقوق اللبنانيين، واضعاً إمكانات الطائفة وخبرة أبنائها وعلاقاتها في لبنان والانتشار وطاقاتها الفكرية والإدارية والاقتصادية والإنسانية في خدمة الدولة.
وقال إن الكنيسة لا تنفصل عن هموم الإنسان والوطن، وإن «الطائفة التي لا تساهم في بناء وطنها تفقد جزءاً من معنى رسالتها».
وأعرب ميناسيان عن رغبته في نجاح العهد، لأن نجاح رئاسة الجمهورية في إعادة بناء الدولة ليس نجاحاً لشخص أو فريق، بل للبنان كله، داعياً إلى إعادة ثقة اللبناني بدولته والشباب بمستقبلهم، واستعادة مكانة لبنان بين أشقائه العرب وأصدقائه في العالم.
وختم بالتأكيد أن الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية تقف مع الدولة وسيادتها وشرعيتها ومؤسساتها، وأن أبناء الطائفة حاضرون ومستعدون للخدمة في كل خطوة تعيد إلى لبنان كرامته وأمل أبنائه.
من جهته، رحب الرئيس عون بالوفد، مشيداً بدور الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية وأبنائها في مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع، ومؤكداً أن الأرمن فاعلون في لبنان اجتماعياً وسياسياً وثقافياً واقتصادياً، وقد أصبحوا من صلب التركيبة اللبنانية.
وأشار عون إلى أن الدولة اتخذت خلال العام الماضي خطوات لإعادة الثقة بينها وبين الشعب، وكذلك بينها وبين المجتمعين العربي والدولي، لافتاً إلى أن التطورات العسكرية أخّرت تنفيذ المزيد من الخطوات، لكن الأمور عادت إلى مسارها الصحيح، وإن كان التقدم بطيئاً.
وأكد أن الحكومة ومجلس النواب موجودان لخدمة الشعب وليس العكس، وأن المراكز العامة مسؤولية وليست ترفاً، مشيراً إلى أن الخيارات المتخذة تنطلق من هذا المبدأ بعدما تعب اللبنانيون من الحروب وحالة اللادولة وأدركوا أنه لا خيار لهم سوى الدولة.
وشدد عون على أن القرارات التي تتخذها الرئاسة لا تستند إلى مصلحة شخصية، بل تحكمها مصلحة الوطن والشعب، منتقداً بعض المسؤولين الذين يضعون مصالحهم الشخصية فوق مصالح طوائفهم وأحزابهم وبلدهم، ويستغلون طوائفهم لتحقيق مكاسب خاصة.
وقال إن لبنان يتسع للجميع وتحسده عليه دول كثيرة، معرباً عن أسفه لأن اللبنانيين لا يدركون قيمة بلدهم، في وقت يثبت اللبناني نجاحه وإبداعه في دول الانتشار، بينما يعجز عن إعمار وطنه بسبب عدم اهتمام البعض ببناء الدولة.
وأضاف: «هناك صراع بين مفهوم اللادولة ومنطق الدولة، وهذا المنطق يجب أن يسود لأن الأغلبية المطلقة من اللبنانيين هي مع الدولة، وقد تعبت من الأحزاب وسياسات المذاهب والطوائف».
وأوضح عون أنه ليس ضد الأحزاب، لأنها جزء أساسي من الديمقراطية، لكنها تفقد معناها عندما تتحول إلى أدوات لخدمة مصالح الأشخاص، مؤكداً أن دورها الحقيقي هو بناء الدول والتنافس على خدمتها، لا جعل المنافسة على حساب الوطن والمواطنين.
وبعد اللقاء، قال ميناسيان إن الزيارة جاءت للشكر والمؤازرة في الأيام الصعبة التي تعيشها العائلات اللبنانية والمسؤولون، مؤكداً استعداد الطائفة للتعبير عن محبتها وخدمة مجتمعها ووطنها.
ودعا جميع المؤسسات إلى استكمال الطريق معاً من أجل السلام، معتبراً أن الوطن هو بيت اللبنانيين وعائلتهم التي يجب أن تعيش بخير واستقرار.
ورداً على سؤال بشأن الأطراف التي تعارض المسار الوطني الذي يقوده عون، دعا ميناسيان كل شخص إلى العودة إلى ضميره والنظر إلى الوطن بوصفه بيت أهله وبيته الشخصي، معتبراً أن ذلك كفيل بجمع اللبنانيين حول إرادة واحدة وهدف يقوم على محبة الوطن والعمل لمستقبله ولسلامه.
وفي لقاء آخر، عرض الرئيس عون مع وزير الاتصالات شارل الحاج شؤون الوزارة والملفات المرتبطة بعملها.
نيابياً، بحث عون مع النائب أديب عبد المسيح الأوضاع العامة وآخر المستجدات، فيما أكد عبد المسيح بعد اللقاء دعمه الجهود التي يبذلها رئيس الجمهورية لاستعادة إمكانات الدولة وقوتها وسلطتها وشرعيتها على جميع الأراضي اللبنانية من دون استثناء.
وأشار عبد المسيح إلى أن اللقاء تزامن مع ذكرى إعلان دولة لبنان الكبير في 1 أيلول 1920 بحدودها الجغرافية الحالية البالغة 10452 كيلومتراً مربعاً، مشدداً على أهمية التوافق الإسلامي–المسيحي واستعادة الدولة سيادتها من خلال المفاوضات والجهود الدبلوماسية التي يقودها رئيس الجمهورية والحكومة.
وأكد أنه لا عودة عن هذا المسار رغم الصعوبات وما يتعرض له الجنوب، لأن لا بديل عن قيام الدولة بدورها السيادي والوطني، مشدداً على الوقوف خلفها وخلف الجيش والقوى الأمنية، باعتبارها الجهات الشرعية المخولة حمل السلاح وفرض القانون وتطبيق القرارات الدولية.
وقال إن المسار الذي يعتمده عون صحيح ولا بديل منه رغم الظروف الصعبة، مشيراً إلى وجود اتفاق إطار وضمانة أميركية، وأن على كل طرف تحمل مسؤولياته.
ورأى أن إسرائيل لا تتحمل مسؤولياتها كما يجب، داعياً الجهة الضامنة إلى الضغط عليها وعلى الأطراف الدولية للالتزام بالشروط الموضوعة، مع التشديد على ضرورة بقاء اللبنانيين متكاتفين حول الدولة ورئيس الجمهورية للوصول إلى بر الأمان.
وأكد عبد المسيح أهمية المؤتمر الجاري التحضير له لدعم الجيش اللبناني، معتبراً أنه يفوق في أهميته أي مبادرة سياسية أخرى، وداعياً أوروبا ودول العالم، وفي مقدمها الدول الخليجية، إلى دعم الجيش ليتمكن من تنفيذ المهمات المنوطة به وفق القرارات الدولية واتفاق الإطار.
وختم بالقول إن من يفاوض باسم الدولة اللبنانية ويتبنى مواقفها في المحافل الخارجية هو رئيس الجمهورية، وإن أي حسابات أخرى لدى أطراف إضافية تبقى مسؤوليتها الخاصة، لأن عون هو من يمثل لبنان ويتحدث باسمه في المفاوضات.
واستقبل رئيس الجمهورية أيضاً الأمين العام لاتحاد الغرف العربية الدكتور خالد حنفي، في حضور المستشار يوسف السبعاوي، نائب رئيس بعثة جامعة الدول العربية في بيروت.
وتناول اللقاء سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين لبنان والدول العربية، ودور القطاع الخاص واتحاد الغرف العربية في دعم التعافي وإعادة الإعمار، وتشجيع الاستثمارات العربية وتوسيع حضور المنتجات والخدمات اللبنانية في الأسواق العربية.
وأكد عون أن لبنان يمتلك المقومات التي تؤهله لاستعادة دوره مركزاً اقتصادياً ومالياً عربياً، مشدداً على أهمية مساهمة القطاع الخاص العربي في فتح أسواق جديدة أمام المنتجات اللبنانية وتشجيع الاستثمارات ودعم النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وأشار إلى أهمية بقاء المؤسسات الاقتصادية العربية في بيروت باعتبارها تعبيراً عن ارتباط لبنان بمحيطه العربي، مؤكداً ضرورة تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص. كما نوّه بعمل مقر اتحاد الغرف العربية في بيروت، مشدداً على ضرورة بقائه في العاصمة اللبنانية.
من جهته، أطلع حنفي الرئيس عون على دور الاتحاد، الذي يتخذ من بيروت مقراً له منذ تأسيسه عام 1951، ويشكّل المظلة المؤسسية للقطاع الخاص العربي، ويضم اتحادات وغرف التجارة والصناعة في الدول العربية، إضافة إلى شبكة من الغرف العربية الأجنبية المشتركة.
وأكد أن استمرار الاتحاد في العمل من بيروت يحمل دلالة اقتصادية ومؤسسية ويعكس الثقة بمكانة لبنان، معلناً استعداد الاتحاد للعمل مع مجتمع الأعمال اللبناني من خلال الترويج للفرص الاستثمارية وتنظيم البعثات والملتقيات وربط الشركات اللبنانية بنظيراتها العربية، واستقطاب المستثمرين ورؤوس الأموال إلى المشاريع الإنتاجية والتنموية.
وقال حنفي إن لبنان لا يحتاج إلى المساندة فحسب، بل إلى شراكات واستثمارات تعيد تشغيل قدراته الإنتاجية وتخلق فرص العمل، مؤكداً أن القطاع الخاص العربي يستطيع أن يكون شريكاً أساسياً في هذه المرحلة.
واعتبر أن استعادة الثقة شرط أساسي لعودة النشاط الاقتصادي والاستثماري، وأن إرادة عون للمضي في مسار الإصلاح والتعافي تمثل رسالة إيجابية إلى مجتمع الأعمال العربي.
وأضاف أن الاتحاد يثق بقدرة لبنان على استعادة دوره، وسيترجم هذه الثقة عبر تشجيع الاستثمارات والشراكات التي تدعم الاقتصاد ومسار التعافي.
وتناول اللقاء أهمية الدبلوماسية الاقتصادية ودور شبكة الغرف العربية في تحويل العلاقات إلى مشاريع واستثمارات وتعاون إنتاجي مستدام.
وأكد حنفي أن الموارد البشرية والكفاءات اللبنانية وخبرات القطاع الخاص وعلاقاته العربية والدولية تمنح لبنان فرصة لاستعادة موقعه الاقتصادي، داعياً إلى توجيه الاستثمارات نحو الاقتصاد المنتج والقطاعات القادرة على خلق القيمة وفرص العمل.
وأعرب عن تضامن القطاع الخاص العربي مع لبنان في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، مؤكداً دعم استقراره وسيادته وتعافيه وإعادة إعماره.
وختم بالتأكيد أن اتحاد الغرف العربية سيضع إمكاناته وشبكة علاقاته في خدمة الاقتصاد اللبناني، معتبراً أن استقرار لبنان وتعافيه ليسا مصلحة لبنانية فحسب، بل مصلحة عربية، وأن عودته إلى محيطه الاقتصادي تمثل قيمة مضافة للاقتصاد العربي كله.
كذلك عرض رئيس الجمهورية مع رئيس «لقاء سيدة الجبل» النائب السابق فارس سعيد الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة في ضوء التطورات الأخيرة.
واستقبل عون المدعي العام في جبل لبنان القاضي سامي صادر، وبحث معه شؤوناً قضائية ومسار العمل في النيابة العامة في جبل لبنان.

Social Plugin