لم يعد الحق في الوصول إلى المعلومات شعاراً يُستعاد في المناسبات، بل يتحوّل تدريجياً إلى أداة عملية يمكن للمواطن والصحافي والباحث والمجتمع المدني استخدامها لمتابعة أداء الإدارة العامة ومساءلتها. بهذه الروحية انعقد المؤتمر الصحافي لوزير الإعلام المحامي الدكتور بول مرقص ورئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد القاضي كلود كرم، في مناسبة اليوم الدولي للحق في الوصول إلى المعلومات، حيث أطلقت الهيئة منصة معلومات تفاعلية حيّة لرصد مدى التزام الإدارات والمؤسسات العامة بأحكام قانون الحق في الوصول إلى المعلومات. وكانت وزارة الإعلام قد أعلنت أن المنصة تتضمن نتائج رصد مستوى التزام الوزارات والإدارات العامة المعنية بالقانون.
وأكد رئيس الهيئة أن أهمية المنصة تكمن في كونها مختلفة عن التقرير التقليدي الذي يصدر مرة واحدة، إذ يجري تحديثها بصورة مستمرة، بما يسمح برصد التطور في مستوى التزام الإدارات ومتابعة نقاط القوة والثغرات بصورة أكثر ديناميكية.
وتشمل قاعدة البيانات أكثر من 1480 إدارة ومؤسسة عامة ملزمة بأحكام قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، فيما أشار كرم إلى أن 66 في المئة من هذه الجهات استجابت لطلبات الهيئة وقدمت المعلومات المطلوبة، في مؤشر على مستوى من التعاون يمكن البناء عليه. في المقابل، لا تزال هناك تحديات واضحة، ولا سيما في ما يتعلق بتكليف موظفي المعلومات وبموجبات النشر الحكمي والاستباقي للوثائق والبيانات التي يفرض القانون إتاحتها.
فالغاية، بحسب ما عُرض في المؤتمر، لا تقتصر على انتظار المواطن حتى يطلب معلومة، بل على أن تصبح الشفافية ممارسة يومية داخل الإدارة العامة، بحيث تكون المعلومات التي يوجب القانون نشرها متاحة بصورة مسبقة. ويكرّس القانون اللبناني هذا الحق بموجب القانون رقم 28/2017 وتعديلاته، كما يفرض على الإدارات نشر المعلومات بصورة استباقية ضمن الأطر القانونية.
وفي هذا السياق، شددت الهيئة على ضرورة أن تقوم كل إدارة، بما فيها الإدارات المحلية، بتكليف موظف معلومات يكون مرجعاً للمواطن أو الصحافي أو أي شخص يتوجه إليها للحصول على المعلومات، مع التأكيد أن تعيين الموظف لا يكفي وحده، بل يحتاج أيضاً إلى التدريب والتأهيل ليعرف صلاحياته ومهامه ويقوم بها بصورة سليمة.
ومن أبرز ما يميز المنصة أنها لا تتوجه إلى الإدارات وحدها، بل تفتح مجالاً أوسع أمام الصحافيين والأكاديميين والباحثين والمواطنين والمجتمع المدني للاطلاع على البيانات، ومتابعة مستوى التزام الإدارات، وكذلك التنبيه إلى أي معلومات ناقصة أو غير دقيقة، بما يساعد الهيئة على تحديث قاعدة البيانات والتحقق من معطياتها باستمرار.
وفي الجانب العملي، عرضت الهيئة حصيلة عملها في تطبيق قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، مشيرة إلى تلقي 22 طلباً، وإصدار 23 قراراً بشأنها، إضافة إلى 106 شكاوى، صدر بشأنها 73 قراراً، بينها 65 قراراً بقبول الشكوى أو الطعن وإلزام الإدارة المعنية بتقديم المعلومات المطلوبة، وفق الأرقام التي عرضت خلال المؤتمر.
ولم يقتصر عرض الهيئة على الحق في الوصول إلى المعلومات، بل تناول أيضاً ملف التصريح عن الذمة المالية والمصالح، حيث أشير إلى تلقي الهيئة، منذ تأسيسها وحتى اليوم، ما يقارب 45 ألف تصريح، فيما لا يزال تقديم التصاريح إلكترونياً مرتبطاً بتفعيل التوقيع الإلكتروني. كما أشار رئيس الهيئة إلى تسجيل أول ادعاء يتعلق بجرم التصريح الكاذب، وإلى توجيه مئات الإنذارات إلى المتخلفين عن تقديم التصاريح.
وفي ملف الفساد، أوضح كرم أن الهيئة رصدت عدداً من الشكاوى والبلاغات المتعلقة بقضايا فساد، وعملت على دراسة الملفات وإجراء الاستقصاءات والتحقيقات اللازمة واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، بما فيها إحالة الادعاءات والملفات إلى المراجع القضائية المختصة، مع الحفاظ على السرية حيث تفرض الإجراءات القانونية ذلك.
من جهته، شدد وزير الإعلام الدكتور بول مرقص على أن الوصول إلى المعلومات ليس احتفالاً فولكلورياً، بل مساراً تطبيقياً يلامس صميم العلاقة بين المواطن والدولة. واعتبر أن إتاحة المعلومات تساعد على بناء الثقة بين المواطن والإدارة العامة، وتشكل أساساً في مكافحة الفساد، كما ترتبط بالمناخ الاقتصادي والاستثماري، لأن وضوح المعلومات وشفافية المؤسسات من العناصر التي ينظر إليها المستثمرون عند تقييم البيئة التي سيعملون فيها.
وتوقف مرقص عند قانون الإعلام الجديد، باعتباره جزءاً من ورشة تحديث تشريعي مستمرة، مشيراً إلى تضمينه أحكاماً تتصل بحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات الموثوقة، وبعمل الهيئة الوطنية المستقلة للإعلام التي ينص عليها القانون، وبإتاحة المعلومات والبيانات ذات الصلة بعملها، إضافة إلى حماية سرية مصادر الصحافيين، ولا سيما في المادة 116.
وأكد الوزير أن التعاون بين وزارة الإعلام والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد يهدف أيضاً إلى تعريف المواطنين بحقوقهم، وإظهار مستوى تجاوب الإدارات العامة مع القانون، بحيث تصبح المعلومات الرسمية متاحة للرأي العام ضمن الحدود والاستثناءات التي يحددها القانون.
وفي ردّه على سؤال حول كيفية استخدام الصحافي للمنصة، كان الجواب واضحاً في أن المنصة صُممت لتكون أداة مفتوحة أمام الإعلاميين والباحثين والمواطنين وسائر المهتمين، بما يسمح لهم بالاطلاع على المعلومات المتاحة حول الإدارات والمؤسسات العامة، ومتابعة مدى التزامها، والمساهمة في تصحيح البيانات وتحديثها.
كما جرى التطرق إلى الجانب الرقمي وحفظ المعلومات، فأوضحت الهيئة أن البيانات محفوظة حالياً ورقياً وإلكترونياً، وأن العمل مستمر على تطوير البنية الرقمية وتعزيز الوسائل التقنية، فيما شددت على أهمية الانتقال مستقبلاً إلى منظومة إلكترونية أكثر تكاملاً، ولا سيما مع تفعيل التوقيع الإلكتروني.
وفي ختام المؤتمر، وُجّهت التحية إلى وسائل الإعلام وإلى الشركاء الدوليين والمحليين، وفي مقدمهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي وحكومة مملكة الدنمارك، إضافة إلى فريق المتطوعين الشباب الذين ساهموا على مدى أشهر في جمع البيانات وإدخالها واستكمالها تمهيداً لإطلاق المنصة.
وهكذا، خرج المؤتمر من إطار المناسبة الرمزية إلى مساحة عملية عنوانها المعلومة حق، والشفافية مسؤولية مشتركة؛ فالهيئة تراقب وتوثّق، والإدارة مطالبة بالنشر والاستجابة، فيما يصبح المواطن والصحافي والباحث شريكاً في المتابعة والمساءلة، مستنداً إلى البيانات لا إلى الانطباعات. ويأتي ذلك انسجاماً مع الدور الذي حدده القانون للهيئة في تلقي الشكاوى والمراجعات المتعلقة بتطبيق قانون الوصول إلى المعلومات والتحقيق فيها وإصدار القرارات الملزمة بشأنها.
من موقع الأشرفية نيوز… تبقى المعلومة حين تُتاح في موعدها، واحدة من أهم مفاتيح الثقة بين الدولة ومواطنيها.
. Whatsapp Channel https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h
on telegram
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا








Social Plugin