وبحسب تقرير للصحافي بن بالمون في موقع "Bizportal"، تستهدف الخطوة خصوصًا استراتيجيات تقوم على ما يعرف بـ"حصاد الخسائر الضريبية"، وتطورت من وسيلة تقليدية لتقليص ضرائب أرباح رأس المال إلى هياكل أكثر تعقيدًا تتيح تحويل بعض الخسائر إلى "خسائر عادية"، بما يسمح باستخدامها في خفض الضرائب المستحقة على الرواتب والمكافآت ومصادر دخل أخرى.
وأكدت وزارة الخزانة ومصلحة الضرائب الأميركية في الإشعار 2026-62 أنهما تدرسان عددًا من استراتيجيات الصناديق الاستثمارية التي قد تؤدي إلى نتائج ضريبية لا تتوافق مع الهدف المقصود من القواعد الفيدرالية، وأشارتا صراحة إلى أن أي إرشادات لاحقة قد تطبق مستقبلًا فقط أو بأثر رجعي على معاملات تمت قبل صدورها.
ويقوم الشكل الأساسي لـ"حصاد الخسائر" على مبدأ بسيط: يبيع المستثمر أسهمًا انخفضت قيمتها، فيثبت خسارة لأغراض ضريبية، ثم يستبدل بها تعرضًا استثماريًا مشابهًا كي يبقى عمليًا داخل السوق. وتُستخدم الخسارة بعد ذلك لمقابلة أرباح رأسمالية أخرى، فتقل الفاتورة الضريبية من دون أن يتغير شكل المحفظة بصورة كبيرة.
لكن صناديق التحوط نقلت الفكرة إلى نطاق أكثر تعقيدًا، من خلال استراتيجيات "Long-Short" التي تحتفظ في الوقت نفسه بمئات المراكز، بعضها يراهن على ارتفاع الأسعار وبعضها الآخر على انخفاضها.
وفي مثل هذه المحافظ، توجد دائمًا مراكز خاسرة حتى عندما تحقق المحفظة ككل أداءً جيدًا. فتغلق الصناديق المراكز الخاسرة مرارًا لتسجيل الخسائر ضريبيًا، ثم تفتح تعرضًا مشابهًا، بينما تترك المراكز الرابحة مفتوحة من دون بيعها، وبالتالي من دون توليد حدث ضريبي فوري.
لكن الضريبة لا تختفي بالضرورة، بل تؤجل. فالخسائر المسجلة تخفض العبء الضريبي الحالي، فيما يمكن فرض الضريبة على الأرباح المتراكمة عندما تُباع الاستثمارات لاحقًا. إلا أن تأجيل الضريبة لسنوات يحمل قيمة مالية كبيرة، خصوصًا إذا استمرت الأموال في تحقيق عائد خلال هذه الفترة.
ويشير التقرير إلى ميزة إضافية في النظام الأميركي مرتبطة بالإرث، إذ إن من يحتفظ ببعض الأصول حتى وفاته يمكن أن ينقلها إلى الورثة بعد تعديل أساسها الضريبي وفق قيمتها عند الوفاة، ما قد يؤدي إلى زوال جزء من المكاسب غير المحققة التي كان سيترتب عليها ضريبة لو باعها المستثمر في حياته.
إلا أن "الكأس المقدسة"، كما يصفها التقرير، تكمن في الانتقال من خسائر رأسمالية لا تقابل في الأساس إلا مكاسب رأسمالية، إلى خسائر تصنف ضريبيًا على أنها "عادية"، ويمكنها بالتالي خفض دخل خاضع للضريبة مصدره الرواتب والمكافآت ومنح الأسهم.
وتبرز أهمية الفارق لأن أعلى معدل لضريبة الدخل الفيدرالية العادية في الولايات المتحدة يبلغ 37%، فيما تخضع مكاسب رأس المال طويلة الأجل عادة لمعدل يقارب 20% بالنسبة إلى أصحاب المداخيل المرتفعة.
ولتحقيق ذلك، تستخدم بعض الاستراتيجيات أدوات مالية تخضع لمعاملة ضريبية مختلفة، من بينها صفقات العملات الأجنبية وتركيبات تجمع عقود مبادلة الأسهم مع العقود الآجلة.
ويصف الإشعار الرسمي لمصلحة الضرائب الأميركية بالفعل نماذج تستخدم عقود عملات ومراكز متقابلة بهدف إنتاج مكاسب رأسمالية من جهة وخسائر عادية من جهة أخرى، كما يتناول استراتيجيات مرتبطة بعقود المبادلة، بحيث يجري إنهاء المراكز الرابحة بطريقة تُعامل كمكاسب رأسمالية، فيما تستمر المراكز الخاسرة حتى تولد مصروفات أو خسائر عادية.
ومن أبرز المنتجات التي أصبحت رمزًا لهذا النوع من التخطيط صندوق "Delphi Plus" التابع لشركة AQR Capital Management، إحدى أكبر شركات إدارة صناديق التحوط، والذي كان يدير نحو 6.6 مليارات دولار حتى منتصف 2026.
وبحسب وثائق اطلعت عليها "Bloomberg"، ولّد الصندوق خلال 2025 خسائر عادية لأغراض ضريبية تعادل 28% من رأس المال المستثمر. وبمعنى آخر، فإن مستثمرًا يضع مليون دولار كان يمكن أن يحصل على نحو 280 ألف دولار من الخسائر المسجلة ضريبيًا، رغم أن هذه القيمة لا تعني أن المحفظة فقدت فعلًا 280 ألف دولار من قيمتها الاقتصادية.
ويورد التقرير مثالًا لتوضيح الآلية: مديرة تنفيذية في وول ستريت تحصل على مكافأة تبلغ 2 مليون دولار، ما يعني عند معدل ضريبي هامشي يبلغ 37% فاتورة ضريبية قدرها 740 ألف دولار.
ثم تستثمر 3 ملايين دولار في صندوق يستخدم نهجًا مشابهًا لـ"Delphi Plus"، يولد لها خسارة عادية تعادل 28% من رأس المال، أي 840 ألف دولار على الورق. ويعرض التقرير هذا المثال باعتباره وسيلة لاستخدام الخسارة في خفض العبء الضريبي المرتبط بالمكافأة، فيما تعود الأرباح المؤجلة في المستقبل في صورة مكاسب رأسمالية يمكن أن تخضع لمعدل يقارب 20% بدلًا من 37%.
وبذلك، تصبح الفكرة الأساسية تحويل جزء من دخل كان سيخضع لضريبة مرتفعة اليوم إلى مكاسب رأسمالية مؤجلة بمعدل أدنى مستقبلًا، مع بقاء الفارق المالي لدى المستثمر لسنوات.
لكن المرحلة التي بقيت فيها هذه التقنيات موضع نقاش نظري يبدو أنها تقترب من نهايتها.
فقد أعلنت مصلحة الضرائب الأميركية أنها ستصدر إرشادات وربما تتخذ خطوات إضافية لمواجهة معاملات تستخدمها بعض الصناديق لإنتاج خسائر عادية، وخصت بالذكر أنماطًا من تداول العملات الأجنبية وتركيبات تجمع بين عقود المبادلة والعقود الآجلة.
وفي إشعارها الرسمي، قالت وزارة الخزانة وIRS إنهما رصدتا استراتيجيات استثمارية "تدّعي" إنتاج نتائج ضريبية قد لا تتفق مع الغرض والتطبيق الصحيحين للقواعد الفيدرالية، وإنهما تدرسان أدوات متعددة للتعامل معها، بما في ذلك قواعد أو إخطارات أو أحكام ضريبية إضافية.
وبحسب تغطية "Bloomberg"، فإن السلطات الأميركية تعتبر أن بعض هذه الصناديق تبدو مدفوعة أساسًا بالنتيجة الضريبية وليس بتحقيق عائد اقتصادي حقيقي من الاستثمار. كما قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الإدارة "جادة" في مواجهة الصفقات المصممة للتحايل على الضرائب أو استغلال قانون الضرائب الفيدرالي.
ولا يقتصر التحرك الأميركي على هذه الاستراتيجيات، إذ دخلت أيضًا إلى دائرة التدقيق ما يُعرف بتحويلات "351"، وهي معاملات ينقل فيها المستثمرون محافظ أسهم إلى صناديق تداول جديدة ETF بهدف تنويع الحيازات من دون توليد حدث ضريبي فوري.
وتزامن الإشعار مع حكم ضريبي جديد يستهدف بعض نسخ هذه المعاملات، ما يعكس انتقال السلطات الأميركية من مرحلة التحذير إلى مرحلة التدخل العملي في ما يُعرف في وول ستريت بصناعة "Tax Alpha".
وضخامة السوق هي ما يجعل الملف أكثر حساسية. فقد تدفقت أكثر من 150 مليار دولار إلى الاستراتيجيات الاستثمارية المراعية للضرائب خلال 3 سنوات، فيما بنت شركات إدارة أصول وصناديق تحوط وشركات لإدارة ثروات الأغنياء أعمالًا كبيرة حول هذه المنتجات.
ووصف أحد الخبراء السوق المحتملة، في حال انتقال هذه التقنيات من كبار الأثرياء إلى شريحة أوسع من أصحاب الملايين، بأنها تشبه "الكاري إنترست على المنشطات"، في إشارة إلى الامتياز الضريبي المعروف الذي يستفيد منه مديرو صناديق الاستثمار الخاصة.
ويشير التقرير كذلك إلى أن مدير صندوق متخصص في البيع على المكشوف في سان فرانسيسكو بنى مركزًا استثماريًا على فرضية أن السلطات ستتدخل في النهاية لكبح هذه الاستراتيجيات، وهو الرهان الذي تبدو التطورات الحالية وكأنها تدفع به إلى الواجهة.
أما في إسرائيل، فيوضح التقرير أن هذه الحيلة لا تعمل بالشكل نفسه، إذ يسمح قانون ضريبة الدخل بمقابلة خسائر رأس المال مع أرباح رأس المال، وفي حالات محددة مع فوائد وأرباح توزيعات مرتبطة بأوراق مالية، لكنه لا يسمح بصورة عامة باستخدام خسارة رأسمالية لمقابلة راتب.
ومع ذلك، يستطيع كبار اللاعبين في الأسواق استخدام استراتيجيات مشتقات لإدارة توقيت الاعتراف بالأرباح والخسائر. ويضرب التقرير مثالًا بمحفظة تبلغ عشرات الملايين حققت ربحًا سنويًا بـ10 ملايين، ويمكنها إنشاء استراتيجية باستخدام خيارات بيع وشراء على مؤشرات، يكون أحد طرفيها رابحًا 15 مليونًا والآخر خاسرًا 15 مليونًا، ثم تثبيت الخسارة وإبقاء الربح غير المحقق داخل المركز الآخر.
وتوضح هذه المقارنة، بحسب التقرير، قيمة الثغرة الأميركية، لأنها تصل بين عالمين ضريبيين يفترض أن يكونا منفصلين: الاستثمارات من جهة، والراتب والدخل العادي من جهة أخرى، وتوجه المنفعة خصوصًا إلى أصحاب الرواتب والمكافآت الأعلى في الأسواق.
أما AQR، فلم تعلق هذا الأسبوع، لكنها قالت في السابق إنها تصمم استراتيجياتها بحيث "تعمل ضمن جميع الإرشادات والأنظمة ذات الصلة".
وتظهر مواد تعريفية باستراتيجية "TA Delphi Plus" أنها تقوم بالفعل على تأجيل تحقيق المكاسب الرأسمالية وتسريع تحقيق الخسائر الرأسمالية والخصومات العادية، بهدف جعل الاستراتيجية أكثر كفاءة ضريبيًا وتمكين الخسائر المحققة من موازنة أرباح أو مصادر دخل أخرى لدى المستثمر.
ويبقى السؤال الآن مزدوجًا: متى ستصدر القواعد الأميركية الجديدة، وإلى أي مدى قد تمتد إلى الوراء؟ فالـIRS ترك الباب صراحة مفتوحًا أمام التطبيق بأثر رجعي إذا اعتُبرت بعض المعاملات مسيئة، ما يعني أن المستثمرين ومديري الأموال لا يواجهون فقط احتمال فقدان ميزة مستقبلية، بل احتمال إعادة فتح صفقات سبق أن اعتقدوا أن ملفها الضريبي أُغلق.
وهكذا، فإن ما وصفه وول ستريت طوال سنوات بأنه أقرب إلى "الكأس المقدسة" للتخطيط الضريبي قد يكون وصل إلى نقطة التحول: عندما تصبح الاستراتيجية كبيرة إلى درجة تجذب عشرات المليارات، تتحول ميزتها الضريبية نفسها إلى السبب الذي يدفع المنظم إلى وضعها تحت المجهر.
.
Whatsapp Channel
https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h
on telegram
https://t.me/achrafieh_news
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا

Social Plugin