النهار...
لم تخرج وقائع اليوم الأول من جلسة مناقشة الحكومة في مجلس النواب عن التوقعات، بل رسّخت واقعاً لم تبدّله الشجارات الصاخبة في بعض الفترات ولا اتّساع الاعتراضات والشكاوى، سواء من الشركاء الحكوميين أو من المعارضين، وهو أن الغالبية التي لا تزال تمحض الحكومة ثقتها لم تتبدل، وتالياً سيكون أي إقدام محتمل على طرح الثقة بها سيؤدي إلى جعلها تسجّل رقماً قياسياً في الحصول ثلاث مرات على الثقة منذ تاليفها.
ومع ذلك، فإن ما لا يمكن تجاهله في الجلسة التي ستستكمل اليوم هو أنها عكست بمقدار كبير السخونة السياسية الكامنة في الداخل السياسي، على خلفية اتّساع الرفض لحروب "حزب الله" التي استدرجت الاحتلال الإسرائيلي التدميري لأجزاء واسعة من الجنوب، كما حالت دون تحقيق جزء كبير من خطط الحكومة وساهمت في تعميق الازمات المعيشية والمالية والاقتصادية، وفق ما أوضح رئيس الحكومة نواف سلام. كما أن مصير سلاح الحزب ومفاوضاتُ الدولة اللبنانية مع إسرائيل، شكّلا عنوانين أساسيين للانقسام النيابي بين غالبية تؤيد المفاوضات وأقلية ترفضها، فيما "تلاعب" التيار الوطني الحر" بين الفريقين "متباهياً" بوصفه لنفسه بأنه المعارضة الوحيدة في المجلس. ونجح رئيس مجلس النواب نبيه بري على ما يبدو في ضبط إيقاع الكلام، رغم أن الجلسة طبعت بطابع منبري شعبوي نظراً للنقل المباشر تلفزيونياً لوقائعها
الجلسة النيابية
وبكلمة مسهبة شكّلت مرافعة دفاعية عن الحكومة تحدث رئيس الحكومة عما تمكّنت الحكومة من إنجازه رغم حرب الإسناد والظروف الصعبة التي تحوط بعملها، حيث أن "كلفة الحرب التي بدأت في 2 آذار تتراوح في تقدير أوليّ للبنك الدولي، بين 3 و4 مليارات دولار، وهذا الرقم لا يشمل الكلفة الاقتصادية التي تتجاوز الدمار المادي المباشر لتصل، في أقل تقدير حتى الآن، إلى ما بين 4 و5 مليارات دولار"، وأكد أن "الحكومة عملت على تثبيت موقع لبنان في الخريطة الإقليمية"، مشيراً إلى أنها "نجحت في إعادة وصل الاقتصاد اللبناني بعمقه العربي، لا سيما مع المملكة العربية السعودية وسائر الدول الخليجية". وشدد على أن "لا استقرار مستداماً من دون بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحدها، وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة دون سواها". وقال: "لست هاوياً للتفاوض لمجرّد التفاوض، لكن مسؤولية الدولة أن تختار الطريق الأقل كلفة على اللبنانيين لتحقيق أهدافها"، معتبراً أن "التفاوض بحد ذاته ليس تنازلاً عن الحقوق، بل وسيلة لاستعادتها بالطرق الديبلوماسية".
كلمة سلام أثارت حفيظة "حزب الله" وأشعلت سجالاً نيابياً. فقد هاجمها عضو "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب علي عمار، فقاطعته النائبة بولا يعقوبيان متهمة اياه بمخالفة النظام فردّ بكلام عنيف قائلا "تهذّبي وتأدّبي" ليندلع سجال حادّ بين عمار الذي قال ان "المقاومة باقية باقية"، وأشرف ريفي الذي قال "إنتو سلّمتوا البلد لإيران، روحوا بالمقاومة عا إيران"، ليردّ عمّار عليه "صافحت إسرائيل".
أما في النماذج البارزة لمداخلات النواب، فتحدث رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل بصفته "رئيس المعارضة". وقال في كلمته "وجودنا في السلطة السابقة لا ينزع عنّا حق المعارضة، وإذا كان لديكم دليل ضدنا في الفساد فقدّموه للقضاء وأنتم شركاء لـلحزب إذ تتقاسمون معه السلطة، ما بقا فيكن تقولوا ما خلونا". وأعلن، "نحن مع التفاوض مع إسرائيل لوقف الحرب لأن سلاح "حزب الله" لم يعد بإمكانه حماية لبنان ونحن مع السلام وليس الاستسلام. نحن مع حصرية السلاح بالكامل لكن لن ينجح نزع السلاح بالاستقواء بالخارج وندعو لتعديل المسار". وتوجه إلى "حزب الله" بالقول "ألم تكن تلال علي الطاهر كافية لوقف إطلاق النار؟".
بدوره، هاجم عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن عز الدين السلطة، معتبراً أنها "وقّعت اتفاق الإطار بحبر إسرائيلي من دون أن تملك أي ورقة رابحة".
في المقابل، وجّه رئيس لجنة الادارة والعدل النائب جورج عدوان باسم "تكتل الجمهورية القوية"، أسئلة إلى سلام في معرض تاييد الحكومة، فقال لسلام: "كيف تتجرأ أنت وحكومتك على حصر السلاح؟ هذا غير مقبول، ويجب مساءلتك عن هذا الموضوع، لأن من سبقك لم يقم بذلك. كيف تتجرّأ على السكوت عما حصل مع وزير الخارجية؟". وقال: "يمكن أن يكون حسابك عند البعض عسيراً، لكن اللبنانيين يطالبونك بالاستمرار بما تقوم به".
واعتبر رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل أن "الحكومة أمام خيارين، إما القبول بالأمر الواقع والخضوع للعراقيل والمزايدات والاعتبارات التي لم تسمح لنا بأن نقوم، وإما أن تفعل". وقال، "55 سنة ولم نتمكن من بناء دولة، وهذه الحكومة هي الأولى التي لديها موقف واضح وصحيح في ظل سيطرة الدولة على الجزء الأكبر من الأراضي اللبنانية". ودعا الحكومة إلى "اتخاذ خطوات حاسمة في سبيل بناء الدولة".
زيارة السفير الأميركي
وسط هذه الاجواء كان السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى يزور فجأة بلدة زوطر الغربية للمرة الأولى يرافقه وفد من مجلس الانماء والاعمار، في دلالة على انخراط أميركي في إعادة إعمار الجنوب. وكانت محطته الأولى في كنيسة البشارة،
وعاين عيسى مع موظفين من شركة "تاتش" المحطة التي وضعتها الشركة قرب الكنيسة في زوطر. وبعد جولة في زوطر الغربية، انتقل السفير الأميركي الى قعقعية الجسر ومنها عاد موكبه الى بيروت .
اما التطور القضائي الابرز الذي سجل أمس، فتمثل في أنه بعد تعقيدات طويلة تخللتها عرقلة ومحاولات شل قاضي التحقيق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، دخل الملف مرحلة الحسم. وأعلن رسمياً أن المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب، التقى القاضي البيطار، وسلّمه المطالعة بالأساس التي أنجزها. وتقع المطالعة في 270 صفحة "فولسكاب"، أبدى فيها صعب مطالب النيابة العامة التمييزية بشأن التحقيقات التي أُجريت في ملف المرفأ.
وثمة معلومات أن البيطار سيدرس مطالب النيابة العامة ثم ينتقل إلى استكمال الإجراءات التي يراها ضرورية قبل إصدار القرار الإتهامي. وبحسب المعلومات المتداولة هناك أكثر من سبعين مدعى عليهم تتفاوت المسؤوليات المنسوبة إليهم بين القصد الاحتمالي، والإهمال والتقصير، والإخلال بواجبات الوظيفة، مع احتمال منع المحاكمة عن بعض من لا تتوافر بحقهم أدلة كافية. ومن المحتمل أن يعاود البيطار استدعاء عدد من المدعى عليهم الذين سبق استجوابهم وتركهم رهن التحقيق من دون اتخاذ قرار نهائي بحقهم، على أن يحدد موقفه من كل منهم وفقاً للأدلة والمعطيات الموجودة في الملف.
واللافت في هذا السياق، أن وكالة الصحافة الفرنسية نقلت عن مصدر قضائي، أن النيابة العامة طلبت توجيه الاتهام إلى الرئيس السابق ميشال عون بجرم الإهمال في إطار التحقيقات المتعلقة بانفجار مرفأ بيروت

Social Plugin