ردّت وزارة الخارجية الإيرانية، الخميس، بلهجة حادة على التصعيد الاقتصادي الأميركي الجديد ضد طهران، محذرة إدارة الرئيس دونالد ترامب والمسؤولين الذين وضعوا خطط العقوبات وينفذونها من أنهم سيتحملون مسؤولية ما قد ينجم عنها من تداعيات، في وقت تنتقل فيه المواجهة بين البلدين إلى مرحلة أكثر حدة على المستويين الاقتصادي والسياسي.
وقالت الخارجية الإيرانية إن العقوبات الأميركية تمثل، بحسب موقفها، سياسة ثبت فشلها، معتبرة أن إعادة استخدامها وتوسيعها «لن يؤدي إلا إلى إخفاقها مرة أخرى».
وأضافت أن العقوبات تعكس، من وجهة نظر طهران، عجز واشنطن عن تحقيق أهدافها خلال الحربين اللتين قالت إنهما شُنتا على إيران، مؤكدة أن الضغوط الاقتصادية لن تزعزع عزم البلاد على الدفاع عن استقلالها وسيادتها.
ووصفت الخارجية الإيرانية الإجراءات الأميركية بأنها «حرب اقتصادية» وانتهاك للحقوق الإنسانية، محمّلة الإدارة الأميركية ومن شارك في وضع وتنفيذ العقوبات مسؤولية العواقب التي قد تترتب عليها.
ويأتي الرد الإيراني بعد تصعيد أميركي لافت في الساعات الأخيرة، إذ هدّد ترامب بفرض عواقب اقتصادية شديدة على أي دولة أو جهة تقدم دعماً مالياً أو تجارياً أو لوجستياً لإيران، في محاولة لتوسيع نطاق الضغط من العقوبات المباشرة على طهران إلى الجهات الخارجية التي تساعدها على إبقاء تجارتها وتمويلها قائمين.
كما رفع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت سقف الخطاب، معلناً أن واشنطن تستعد لفرض إجراءات غير مسبوقة على إيران، بعدما كان قد قال في 13 آب إن الولايات المتحدة ستطبق مستوى من العزلة الاقتصادية «لم يُرَ من قبل» على دولة، بالتوازي مع استمرار الضغط الأميركي في مضيق هرمز.
وجاءت تصريحات الخارجية الإيرانية أيضاً بعد سلسلة مواقف نقلتها وسائل إعلام عن بيسنت، قال فيها إن إيران ستواجه أقسى العقوبات على الإطلاق، وإن الإجراءات الأميركية ستحد من قدرتها على تمويل وتحريك حلفائها الإقليميين، قبل أن يذهب إلى القول إن النظام الإيراني «سينهار» وإن واشنطن ستعمل على إسقاطه.
ويُعد هذا المستوى من الخطاب الأميركي تحولاً مهماً، إذ كانت السياسة المعلنة لواشنطن تركز خلال مراحل سابقة بصورة أساسية على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، والحد من برنامجها الصاروخي ونشاطها الإقليمي، في حين يحمل الحديث الصريح عن انهيار النظام أو إسقاطه دلالات سياسية تتجاوز نطاق العقوبات التقليدية.
ويأتي التصعيد في وقت تواجه فيه إيران وضعاً اقتصادياً شديد الصعوبة بفعل سنوات طويلة من العقوبات، إضافة إلى تداعيات المواجهة العسكرية الأخيرة وتعطل جزء من التجارة الخارجية والضغوط على صادرات النفط وحركة الملاحة.
وأشارت تقارير حديثة إلى ارتفاع حاد في معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة الإيرانية، بالتزامن مع تضرر البنية التحتية وتراجع الإيرادات وتزايد المخاوف داخل طهران من أن تؤدي موجة ضغط اقتصادية جديدة إلى تعميق الأزمة الاجتماعية.
وترتكز الاستراتيجية الأميركية الحالية بدرجة كبيرة على ضرب مصادر العملات الأجنبية التي تعتمد عليها إيران، وفي مقدمتها صادرات النفط والبتروكيماويات، وشبكات التحويل المالي والشركات الوسيطة والأساطيل التي تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات.
وخلال الأشهر الماضية، فرضت واشنطن سلسلة عقوبات على شركات وناقلات ووسطاء ماليين في دول عدة، متهمة إياهم بمساعدة إيران في تصدير النفط أو تحويل عائداته خارج النظام المالي التقليدي. وفي أيار الماضي، استهدفت عقوبات أميركية شركات في هونغ كونغ والإمارات وعُمان قالت واشنطن إنها ساعدت في شحن النفط الإيراني إلى الصين.
كما فرضت الخزانة الأميركية في نيسان عقوبات على 35 فرداً وكياناً قالت إنهم شاركوا في شبكة «مصارف ظل» تساعد إيران على الالتفاف على القيود المالية، بالتوازي مع تهديد مصارف خارجية بإجراءات إضافية إذا واصلت التعامل مع جهات مرتبطة بطهران.
ويمثل توسيع العقوبات إلى الدول والشركات التي تتعامل مع إيران تحدياً أكبر من الإجراءات السابقة، لأن اقتصاد طهران يعتمد على مجموعة من الشركاء التجاريين الذين حافظوا على علاقاتهم معها رغم العقوبات الأميركية.
وتبقى الصين أبرز مشترٍ للنفط الإيراني، إذ استوردت نحو 1.38 مليون برميل يومياً خلال 2025، فيما تُعد تركيا والعراق وعُمان وباكستان من بين الشركاء التجاريين المهمين لطهران. كما لعبت الإمارات طوال سنوات دوراً رئيسياً في التجارة وإعادة التصدير والتحويلات المرتبطة بالاقتصاد الإيراني.
غير أن الضغوط على هذه القنوات بدأت تتسع، خصوصاً بعد إعلان الإمارات تعليق التعاملات التجارية والمالية مع إيران على خلفية التصعيد الأمني الأخير، وهي خطوة يمكن أن تزيد من صعوبة وصول الشركات الإيرانية إلى الأسواق والعملات الأجنبية.
ويتقاطع الملف الاقتصادي مع المواجهة في مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم شرايين تجارة النفط والغاز في العالم. فقد أكد بيسنت أن الولايات المتحدة تستطيع مواصلة إخراج السفن عبر الممر الجنوبي، في إطار الجهود الأميركية للإبقاء على حركة الملاحة وتقليص قدرة إيران على استخدام المضيق ورقة ضغط.
وتسببت التطورات في هرمز خلال الأشهر الماضية في اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، وسط انخفاض حركة بعض الناقلات وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، بالتزامن مع محاولات أميركية لتأمين مسارات بديلة أو أكثر أمناً للسفن التجارية.
وكانت الولايات المتحدة وإيران قد دخلتا في حزيران الماضي مساراً لخفض التصعيد تضمن تفاهمات موقتة حول العقوبات وحركة الملاحة، إلا أن هذا المسار لم يصمد طويلاً، وعادت المواجهة إلى التصاعد بعد تجدد الهجمات والحوادث في هرمز وإعادة فرض القيود على صادرات النفط الإيرانية.
ومن هنا، لا تنظر طهران إلى الحزمة الجديدة باعتبارها مجرد دورة إضافية من العقوبات، بل جزءاً من استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى تشديد الحصار المالي والتجاري وقطع قنوات الالتفاف التي استخدمتها إيران خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، تراهن واشنطن على أن هذه المرة تختلف عن جولات الضغط السابقة، بسبب تراكم آثار الحرب وتضرر الاقتصاد الإيراني وارتفاع التضخم وتعطل بعض قنوات التجارة والتمويل، إضافة إلى الضغط على الشركاء التجاريين الرئيسيين.
لكن الخارجية الإيرانية تتمسك برواية معاكسة، إذ تعتبر أن العقوبات السابقة لم تحقق أهداف الولايات المتحدة، وأن تكرارها لن يدفع إيران إلى التراجع عن مواقفها المتعلقة بسيادتها وأمنها.
ويأتي التحذير الإيراني من «التداعيات» من دون تحديد طبيعتها أو الإجراءات التي قد تتخذها طهران رداً على العقوبات، ما يترك الباب مفتوحاً أمام أكثر من احتمال، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو في ملف الملاحة الإقليمية.
وبين تهديد واشنطن بعزل إيران اقتصادياً على نطاق غير مسبوق، وتحذير طهران واضعي العقوبات ومنفذيها من تحمل النتائج، تبدو المواجهة بين الطرفين أمام مرحلة جديدة تتجاوز العقوبات الثنائية إلى اختبار قدرة الولايات المتحدة على عزل إيران عن شركائها، وقدرة طهران في المقابل على إبقاء قنوات التجارة والتمويل مفتوحة رغم الضغط المتصاعد.
Whatsapp Channel
https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h
on telegram
https://t.me/achrafieh_news
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا

Social Plugin