منسى: هل يجوز اختزال انهيار لبنان في مجرد أخطاء مصرفية أو نقدية؟





 كتب الرئيس المؤسس لمجلس رجال الأعمال

 اللبنانيين–الفرنسيين في فرنسا، أنطوان منسى:

من الأسطورة إلى الواقع

كثيرون هم الذين لا يزالون يرفضون مواجهة الحقيقة، ولا يرغبون في تذكّر أن توالي الأحداث المؤسفة هدّد لبنان تدريجياً، إلى أن قاده إلى الكارثة والفوضى الراهنة، التي يتحمّل الشعب اللبناني، وحيداً تقريباً، أعباءها الثقيلة ويدفع ثمنها كاملاً.

ولا يزال البعض، بسوء نية واضح، يتجاهل حقيقة بديهية: فالمصرفي، إلى جانب رأسمال مصرفه، يمارس نشاطه ويحقق الأرباح أو يتكبّد الخسائر بصورة أساسية من خلال الأموال التي يأتمنه عليها المودعون. ولذلك، يبقى القطاع المصرفي رهينة الثقة والاستقرارين السياسي والأمني، واستمرار تدفّق الرساميل.

ويكفي أن نستعيد تسلسل الأحداث التي أضعفت لبنان بعمق: خروج الفلسطينيين في ثمانينيات القرن الماضي، حاملين معهم ودائعهم، وما رافق ذلك من توقف جزء مهم من تدفقات الرساميل التي كانت تصل إليهم؛ ثم الاغتيال المروّع لرئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري عام 2005؛ فحرب عام 2006 مع إسرائيل؛ وصولاً إلى اتفاق الدوحة في قطر، الذي مهّد الطريق لانتخاب رئيس جديد للجمهورية وإعادة ترتيب المشهد السياسي.

ثم اندلعت الحرب في سوريا عام 2011، وتدفّق إلى لبنان نحو مليون ونصف مليون نازح. وابتداءً من عام 2012، وجد البلد نفسه في مواجهة مسؤولين سياسيين عمدوا إلى تعطيل جلسات مجلس الوزراء وفقاً لمصالحهم وأهوائهم.

وهكذا عاش لبنان أوضاعاً مؤسساتية عبثية بكل المقاييس: رئيساً للجمهورية من دون حكومة، وحكومة من دون رئيس للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، وأحياناً تعطيل قطبي السلطة معاً بفعل سياسة الكرسي الشاغر. حتى إن البلاد، بين عامي 2011 و2018، لم تُحكَم فعلياً إلا خلال فترة محدودة للغاية، لم تتجاوز، وفق التقديرات، تسعة عشر شهراً.

ولا يمكننا أن ننسى أيضاً واقعة احتجاز رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري في المملكة العربية السعودية، التي أضافت أزمة جديدة إلى وضع كان يعاني أصلاً اضطراباً عميقاً.

ثم جاءت، أخيراً، «حبّة الكرز فوق قالب الحلوى»: مؤتمر «سيدر» الذي عُقد في مستهل عهد الرئيس ميشال عون. وكان من المفترض أن يتيح هذا المشروع للبنان الاستفادة من دعم دولي كبير، شرط تنفيذ الإصلاحات الموعودة. غير أن تلك الإصلاحات لم ترَ النور فعلياً، فبقيت الالتزامات الدولية حبراً على ورق، وتبدّدت الآمال التي عُلّقت عليها.

فهل يجوز، بعد كل ذلك، الاستمرار في اختزال انهيار لبنان في مجرد أخطاء مصرفية أو نقدية، وكأن جميع هذه الأزمات السياسية والأمنية والمؤسساتية والإقليمية لم تقع يوماً؟

أسطورة أم حقيقة؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي لنا أن نتأمل فيه اليوم، بصدق ووضوح وجرأة، ومن دون أي مواربة أو مجاملة