بمناسبة مرور مئة وخمسة وسبعين سنة على تأسيسه، نظّم دير مار إلياس – الكنيسه (المتن الأعلى) لقاءً بعنوان: «تاريخ من تاريخ دير مار إلياس: الجذور الراسخة ورسالة متجددة في المنطقة»، شارك فيه الأب مارون الحايك الأنطوني، كاتب وأديب ومؤلف كتاب "دير مار الياس – الكنيسه"، والدكتور عماد مراد، أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانيّة.
مغاريقي
قدّمت الإعلامية لارا المغاريقي اللقاء بكلمة ممّا جاء فيها: “دير مار إلياس لم يكن يومًا مجرد بناءٍ من الحجر، بل كان وما زال شاهدًا حيًا على مسيرة إيمان عميقة، وصمودٍ متجذّر، ورسالةٍ روحية وإنسانية، وجزءًا أصيلًا من ذاكرة هذه المنطقة وتاريخها. وليس هذا اللقاء مجرد عنوان، بل هو دعوة للعودة إلى صفحاتٍ صنعت هوية المكان، ورسّخت حضوره في وجدان أبناء هذه المنطقة. التاريخ لا يبقى حيًا إلا حين يُروى، ويُحفظ، ويُورَّث، ليظل شاهدًا على مسيرة الإنسان، ومنارةً تهدي دروب المستقبل".
الأب بعقليني
ثم ألقى الأب الدكتور نجيب بعقليني، رئيس دير مار إلياس – الكنيسه، كلمةً أكد فيها على استمرارية رسالة الدير منذ تأسيسه بفضل رهبانه ومما قال: "هنا، في هذه الواحة الخضراء، حيث يلتقي جمال الطبيعة بنقاء البيئة وسكينة المكان، عاش رهبان دير مار إلياس – الكنيسه، متجذرين في الأرض ومنفتحين على الإنسان، فجعلوا من الدير منارةً للصلاة والعمل والخدمة. وبفضل ارتباطهم العميق بالله وبالناس، ترسخت هوية هذا الصرح على الإيمان والرجاء والمحبة، واستمرت رسالته حيّةً ومتجددةً عبر الأجيال".
تابع: “لم يكن هذا الدير، يومًا، مجرد بناءٍ من حجر، بل بيتًا للصلاة، ومدرسةً للفضيلة، ومركزًا للحضور الروحي والإنساني والثقافي. رافق أبناء المنطقة في أفراحهم وأحزانهم، وأدى دورًا فاعلًا في تنمية الحياة الروحيّة والإنسانيّة والثقافيّة، فصار جزءًا أصيلًا من تاريخ المتن الأعلى وذاكرته".
اعتبر أنّ "تاريخ هذا الدير هو تاريخ رجال ونساء آمنوا برسالتهم وبذلوا ذواتهم في سبيلها؛ رهبان خدموا بأمانة، ومؤمنون حافظوا على هذا الإرث، وأجيال تعاقبت وهي تحمل الشعلة وتتناقلها من يدٍ إلى أخرى، ليبقى الدير حيًا ومتجددًا في رسالته".
وختم: “على أمل أن يكون هذا اللقاءُ مناسبةً لشكر الله على نعمه، وللتعرّف أكثر إلى تاريخ هذا الدير العريق، ولتأكيد التزامنا بالمحافظة على إرثه الروحي والثقافي، ليبقى شعلةً للإيمان، وجسرًا للحوار، وواحةً للسلام، ومنارةً للأجيال الآتية، وعلامةً حيّةً على أن التاريخ الذي يُبنى على الإيمان والمحبة لا يشيخ، بل يتجدد مع كل جيل".
الأب الحايك
تناول الأب مارون الحايك في كلمته حيثيات بناء دير مار إلياس وكيفية تشييده على مراحل، مشيدًا بالرهبان الأنطونيين المنتمين إلى الرهبانيّة الأنطونية، وهم أبناء بلدة الكنيسه من عائلة الأسمر، الذين بلغ عددهم ثمانية عشر راهبًا أنطونيًا. وقد ساهم ثمانيةٌ منهم في بناء الدير وإطلاق هويته ورسالته.
ركّز على المسيرة التي عاشها الدير والرهبان في الحقبات التي رافقت تاريخه الممتد على مدى 175 سنة، بدءًا بالأحداث التي شهدها جبل لبنان والحروب التي واكبت تأسيسه، مشيرًا إلى أنّ الرهبان عملوا في الأرض، وقدموا خدمات روحية وثقافية، فأسسوا مدرسة، واعتنوا بالأرض، وساعدوا أبناء المنطقة.
أكد أن دير مار إلياس – الكنيسه ينادي جميع الناس إلى المحبّة والتلاقي والانفتاح والتعاون، عبر صدى جرس كنيسته عند كل صلاة. وكانت هذه نيّة الرهبانيّة الأنطونيّة في شخص الآباتي المؤسس شاول الأسمر، ابن بلدة الكنيسه، ليكون الدير إشعاعًا للقريب والبعيد، ومحجّة لاكتساب الإيمان بالرب الذي افتدى البشر على الصليب ووعدهم بالحياة الأبدية.
تابع: “لولا إيمان الآباتي شاول الأسمر وشجاعته ومقاومته للباطل، لما تأسس دير مار إلياس – الكنيسه. فقد آمن الآباتي المؤسس باستمرارية الطريق ومتطلباتها، وعايش زمانه ورجال عصره، وتميز بالحكمة وحسن السياسة التي ينبغي أن يمارسها الناس في مجتمعهم ووطنهم، لا السياسة السيئة التي تزرع الفرقة بينهم وتجعل مجتمعهم مضطربًا”.
أضاف: “منذ تأسيس الرهبانيّة في دير مار اشعيا (برمانا)، على تلة عرامتا، في منطقة تجاورها قرى ذات تنوع طائفي، كما هي حال بلدة الكنيسه المجاورة لأرصون وصليما وغيرها من البلدات المختلطة، عرف الآباتي شاول الأسمر كيف يمدّ الجسور مع الجميع، ويستمر في أداء رسالته الرهبانية والكهنوتية والوطنية".
حول محطات من تاريخ الدير أورد: "يقول المؤرخ الأباتي عمانوئيل البعبداتي إنه في سنة 1860 أُحرق الدير، وتعطّل بناؤه، وتضرر الحجر المنحوت. ولكن في عهد المتصرفية (1861–1914)، عادت الرهبانيَّة الأنطونية إلى دير الكنيسه، فأرسلت رهبانًا نشطين لتجديد ما أفسدته الحوادث المشؤومة في بناء الدير، فأوكلت مجددًا إلى الأب غريغوريوس الأسمر، من بلدة الكنيسه، رئاسة الدير حتى سنة 1866، ليزيل آثار الحريق والخراب في أقسامه. وفي عهد المتصرفية افتتحت الرهبانية مدرسةً في الدير لتعليم الأحداث، ودرس فيها بعض الرهبان، ولا سيما الأب المؤرخ واللغوي يوسف حبشي الغزيري. وهكذا تابعت الحياة الرهبانية مسيرتها، فاشترى الرهبان أراضي في بلدة الكنيسه، وواصلوا بناء الدير وتجديده. أُقفل الدير سنة 1938، وأُعيد ترميمه وبناؤه بطرق حديثة من سنة 1999 حتى سنة 2005. وفي سنة 2007 خصصت الرهبانية دير مار إلياس – الكنيسه مسكنًا للرهبان الدارسين الذين يتابعون دروسهم الفلسفية واللاهوتية في الجامعة الأنطونية".
اضاف: "هكذا استطاعت هذه الجماعة الرهبانيّة أن تكون موضع أنظار وتقدير جميع أبناء الرعايا المجاورة، بفضل الشهادة الروحية التي عاشتها على صعيد نظامها الديري وخدماتها الروحية. فمنذ اليوم الأول، والدير في حركة دائمة ونمو مستمر، من خلال إقامة القداديس والصلوات الجماعية بمشاركة المؤمنين من البلدات المجاورة. ويسعى آباء الدير إلى تأمين الرياضات الروحيّة، والمخيّمات الكشفيّة، والحركات الرسوليّة، والمحاضرات، والقداديس التي تُطلب من الرهبان في المنطقة. كما يهتمون باستثمار الأرض والعناية بالزراعة وتربية الدواجن.
ختم: "إذًا، لدير مار إلياس – الكنيسه وجوهٌ متعددة، أو أبعادٌ متعددة، منها: البعد الروحي، والثقافي، والرعوي، والاجتماعي، والاقتصادي. وهذه كلها يسعى رهبان الدير إلى تحقيقها".
دكتور مراد
أما الدكتور مراد فألقى كلمةً تاريخية شاملة، تمحورت حول ثلاثة مواضيع أساسية من تاريخ الموارنة. الأول تحدّث فيه عن تاريخ علاقة الموارنة بلبنان، ودورهم في تأسيس الكيان اللبناني وتطويره من البطريرك الأول مار يوحنا مارون حتى اليوم، مرورًا بالمحطّات الرئيسية، مثل استشهاد البطاركة الموارنة في حروب المماليك على لبنان. الثاني تحدّث فيه عن الرهبانية الأنطونية ودورها في تطوير المجتمع اللبناني وانتشارها في المناطق المختلطة. الثالث، تطرق فيه إلى التعايش بين الموارنة والدروز والتقارب السياسي والتربوي والثقافي بين الطرفين طوال قرون عديدة، مع استثناءات سوداء كان سببها التدخل الخارجي في القضايا الداخلية.
وختم دكتور مراد شاكرًا رئيس الدير الأب نجيب بعقليني على دعوته، وعلى النشاطات المتنوعة التي يقوم بها، متمنيًا لرهبان دير مار الياس- الكنيسه وللرهبانيّة الأنطونية دوام النجاح والتقدّم.







Social Plugin