من الأزمة إلى "التغيير"... تحوّل الفراغ في لبنان إلى سوق مفتوح لبيع الحلول


في بلدٍ أنهكت مواطنيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة جديدة تتسلل إلى حياة اللبنانيين تحت عناوين براقة من قبيل "التغيير" و"التحوّل" و"بداية الحياة من جديد". وبينما تتراجع قدرة مؤسسات الدولة على حماية الصحة النفسية وتنظيم المهن المرتبطة بها، يتوسع حضور بعض "مدرّبي الحياة" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مستفيدين من الفراغ الرقابي ومن جمهور يبحث عن مخرج سريع من أزماته.

غير أن هذا الانتشار لم يعد مجرد موجة عابرة أو محتوى تحفيزي، بل تحوّل في بعض الحالات إلى خطر قد يهدد استقرار الأفراد والعائلات، بعدما دفعت نصائح غير مدروسة أشخاصًا إلى اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالزواج والأولاد والعمل والحياة الشخصية، من دون تقييم نفسي أو معرفة دقيقة بتداعياتها.

ومن هنا، لا يعود السؤال محصورًا بمدى فاعلية "مدرّب الحياة"، بل يمتد إلى مسؤولية الدولة والجهات الرقابية عن حماية المواطنين من ممارسات قد تُقدَّم على أنها إرشاد، فيما تترك خلفها أضرارًا نفسية واجتماعية يصعب إصلاحها.

وتنتشر في الآونة الأخيرة ظاهرة لجوء عدد متزايد من اللبنانيين إلى "مدرّبي الحياة"، وخصوصًا أولئك الذين ينجذبون إلى المحتوى البصري الإبداعي الذي يقدّمه بعضهم على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تُعرض قصص النجاح والتحوّل الشخصي في قوالب جذابة توحي بأن الحلول سريعة وقريبة ومتاحة للجميع.

لكن في مقابل هذه الصورة، تظهر تجارب لأشخاص يقولون إن حياتهم تضررت نتيجة تلقي نصائح غير منطقية أو غير مناسبة لظروفهم. ومن بين الأمثلة تقديم نصيحة لامرأة متزوجة بترك منزلها وزوجها وأولادها كي تبدأ حياتها من جديد، من دون دراسة الواقع العائلي أو النفسي أو الاجتماعي المحيط بها، ومن دون تقدير النتائج التي قد تترتب على مثل هذا القرار.

وفي هذا السياق، توضح المتخصصة النفسية بنين بريطع، في حديث إلى أن "المعالج النفسي متخصص في تقييم وعلاج الاضطرابات النفسية والانفعالية، مثل الاكتئاب واضطرابات القلق والصدمات النفسية واضطرابات الشخصية وغيرها، ويستند إلى نظريات وأساليب علاجية مدعومة بالأدلة العلمية، ضمن إطار مهني وأخلاقي واضح".

وتضيف أن "المعالج النفسي هو شخص درس علم النفس، ثم تابع اختصاصًا في علم النفس العيادي وحصل على درجة الماجستير، إضافة إلى ترخيص من وزارة الصحة وانتساب إلى نقابة النفسانيين في لبنان، ما يؤهله قانونيًا وعلميًا لممارسة العلاج النفسي".

أما "مدرّب الحياة"، فتشير بريطع إلى أنه "يركز غالبًا على مساعدة الأشخاص الأصحاء نفسيًا على تحقيق أهداف شخصية أو مهنية، وتحسين الأداء، وتنمية المهارات، وتعزيز الدافعية، وإدارة التغيير في الحياة".

وتؤكد أن "عمل مدرّب الحياة لا يُعد علاجًا نفسيًا، ولا يشمل تشخيص الاضطرابات النفسية أو علاجها"، موضحة أن المدرب قد يأتي من خلفيات مهنية أو أكاديمية مختلفة، وقد يكون خضع لدورة تدريبية في مجال "التدريب الحياتي"، لكنه لا يكون بالضرورة متخصصًا في علم النفس العيادي.

وبحسب بريطع، فإن الفرق الجوهري بين الطرفين يكمن في طبيعة الحالة التي يتعامل معها كل منهما، إذ "إذا كان الشخص يعاني مشكلة تؤثر في صحته النفسية ووظائفه اليومية، فهو يحتاج إلى معالج نفسي. أما إذا كان يبحث عن تطوير ذاته أو تحسين أدائه رغم تمتعه بصحة نفسية مستقرة، فقد يكون مدرّب الحياة خيارًا مناسبًا".

وتلفت إلى أن الإقبال على "مدرّبي الحياة" ازداد خلال السنوات الأخيرة بسبب الانتشار الكبير لهذا المجال على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبح "التدريب الحياتي" (Coaching) رائجًا، في ظل غياب التوضيح الكافي للفارق بين دور مدرّب الحياة ودور المعالج النفسي.

وتوضح أن بعض الأشخاص لا يعرفون هذا الفرق، فيعتقدون أن "مدرّب الحياة" يمكنه أن يحل مكان المعالج النفسي، مع أن الخدمات التي يمكن أن يقدمها المدرب تتركز في قضايا مثل إدارة الوقت، والتسويف، وتحقيق الأهداف، وبناء العادات، وتنظيم الحياة اليومية، وليس في معالجة الاضطرابات النفسية أو التجارب الصادمة.

وتشدد بريطع على أن "مدرّب الحياة لا يستطيع التعامل مع القلق أو الاكتئاب أو الصدمات النفسية بوصفها اضطرابات تحتاج إلى علاج"، لافتة إلى أن بعض المدربين يتجاوزون حدود اختصاصهم ويحاولون معالجة حالات لا يملكون المعرفة العلمية أو الصلاحية المهنية للتعامل معها.

وتقول إن هذا النوع من الممارسات قد يؤدي إلى أضرار كبيرة، إذ يمكن أن تتفاقم حالة الشخص بدل أن تتحسن، كما قد تتأخر بداية العلاج النفسي الصحيح لأشهر أو سنوات، ما يجعل العلاج لاحقًا أطول وأكثر تعقيدًا.

وتكشف بريطع أن العيادات النفسية تستقبل أحيانًا أشخاصًا أمضوا فترات طويلة مع "مدرّبي حياة"، وهم يعتقدون أنهم يتلقون علاجًا نفسيًا، قبل أن يتبين أن الاضطراب الأساسي لم يُعالج أصلًا.

وتشير إلى أن الشخص قد يقول إنه خضع للعلاج لمدة سنة من دون استفادة، في حين أنه لم يكن يتلقى علاجًا نفسيًا فعليًا، بل جلسات تدريب حياتي لا تتناسب مع طبيعة حالته.

وترى أن الخطر لا يقتصر على هدر الوقت والمال، بل يمتد إلى إمكان تعقيد الحالة النفسية وتأخير التدخل المتخصص، خصوصًا في الحالات التي تحتاج إلى علاج سريع ومبكر.

وتحذر بريطع من أن بعض "مدرّبي الحياة" قد يفتحون خلال الجلسات "جروحًا نفسية عميقة" أو يعيدون الشخص إلى صدمات سابقة، من دون أن يمتلكوا الأدوات العلمية اللازمة لمساعدته على التعامل معها أو احتوائها، ما قد يتركه في حالة أكثر هشاشة واضطرابًا.

وتضيف أن "فتح هذه الملفات النفسية من دون معرفة كيفية إغلاقها أو التعامل معها قد يؤدي إلى ضرر كبير"، مشددة على أن الصحة النفسية ليست مجالًا للتجربة أو الارتجال.

وفي المقابل، توضح أن "مدرّب الحياة" يمكن أن يكون مفيدًا بعد حصول الشخص على العلاج النفسي المناسب واستقرار حالته، بحيث يساعده لاحقًا على بناء عادات جديدة أو وضع أهداف مهنية وشخصية أو تجاوز التسويف وتحسين إدارة الوقت.

لكنها تؤكد أن هذا الدور يأتي بعد علاج الاضطراب الأساسي، ولا يمكن أن يكون بديلًا من المعالج النفسي.

وتدعو بريطع المواطنين إلى التحقق من خلفية أي شخص يقدم خدمات مرتبطة بالصحة النفسية، والسؤال عن مؤهلاته الأكاديمية، وما إذا كان يحمل ترخيصًا من وزارة الصحة ومنتسبًا إلى نقابة النفسانيين في لبنان، خصوصًا إذا كان يدّعي تقديم علاج نفسي.

وتشدد على ضرورة احترام حدود الاختصاص، قائلة إن "مدرّب الحياة يقدّم دعمًا لتحقيق الأهداف وتطوير المهارات، بينما يتعامل المعالج النفسي بطريقة علمية ومهنية دقيقة مع الاضطرابات النفسية".

وتختم بالتأكيد أن "تجاوز هذه الحدود قد تكون له نتائج خطيرة على الأفراد وعائلاتهم، وأن حماية المواطنين تبدأ من التمييز الواضح بين التدريب الحياتي والعلاج النفسي، ومن تنظيم هذا المجال ومحاسبة كل من يقدّم نفسه بصفة لا يملكها".


Whatsapp Channel https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h on telegram https://t.me/achrafieh_news all platforms Achrafieh News لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا