منشور على وسائل التواصل الاجتماعي توقف عنده الكثيرون ليس لأنه محتوى لفيلم كوميدي او انتقاد لشخصية سياسية بات تجريدها من هالتها الرسمية موضع سخرية، بل لما حمله هذا المحتوى من صدمة في ظل الظروف الامنية والانسانية الصعبة لا سيما لأبناء الجنوب والبقاع والضاحية وحتى بيروت.
وجاء في المنشور النقدي " من ابداعات دولتنا الكريمة،ضريبة تأخير تسجيل المتوفين..كيف يعني الدنيا حرب و مجازر لعائلات بأكملها..مين ببالو يروح و يقدم على وثيقة وفاة..هيك بتوقف الدولة جنب شعبها؟بدل ما الدولة تخفف عن الناس....انفصال كامل عن الواقع الإنساني".
ففي مثال صارخ على الفجوة بين النصوص الإدارية والواقع الإنساني القاسي الذي تعيشه البلاد، تجد عائلات فقدت أبناءها أو ما زالت تنتظر معرفة مصيرهم بفعل الحرب والعمليات العسكرية، نفسها أمام استحقاق رسمي يتعلق بـ"تسجيل الوفاة" خلال مهَل محددة، تحت طائلة غرامات مالية تُفرض بسبب "التأخير"، وكأن الألم الإنساني يمكن أن يُقاس بالمواعيد الإدارية أو يُختصر بإجراء روتيني في دوائر الدولة.
في خطوة وُصفت بأنها بعيدة كل البعد عن الواقع الإنساني والمعيشي الذي تعيشه العائلات اللبنانية في ظل الحرب المستمرة والخسائر المتراكمة، برزت مجدداً مسألة “ضريبة تأخير تسجيل المتوفين”، ما أثار موجة استياء واسعة في الأوساط الشعبية والحقوقية، خصوصاً مع استمرار سقوط الشهداء ووجود مفقودين قسراً نتيجة العمليات العسكرية العنيفة.
ففي الوقت الذي ما تزال فيه عائلات بأكملها تعيش تحت وطأة الفقد والدمار، وبعضها لم يتمكن حتى من معرفة المصير النهائي لأبنائها المفقودين بفعل ظروف الحرب واستخدام القوة المفرطة، تُطرح تساؤلات جدية حول كيفية مطالبة هذه العائلات بالتوجه إلى الدوائر الرسمية لتسجيل حالات الوفاة ضمن مهَل قانونية، تحت طائلة الغرامات المالية.
هذه الإجراءات تعكس انفصالاً واضحاً بين النصوص القانونية والواقع الإنساني على الأرض، إذ لا يمكن مقاربة ملف فقدان الأرواح والمفقودين من زاوية إدارية بحتة، في وقت تعيش فيه البلاد حالة حرب مفتوحة وما يرافقها من انهيار في البنى الاجتماعية والأمنية.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات مشروعة حول أولوية الدولة في التعاطي مع مواطنيها، فبدلاً من التخفيف عن العائلات المكلومة ومساندتها في أصعب لحظات حياتها، يجد كثيرون أنفسهم أمام أعباء بيروقراطية إضافية وغرامات مالية على تأخير إجراءات لا يمكن إنجازها أصلاً في ظل الظروف القائمة.
ووفق المنطق الإنساني يقتضي أن تكون الأولوية في هذه المرحلة لدعم المتضررين وتسهيل الإجراءات المرتبطة بفقدان الأحبة، لا تحويلها إلى مصدر ضغط إضافي، خصوصاً في ظل وجود مفقودين لم يُحسم مصيرهم حتى اليوم، ما يجعل أي التزام زمني للتسجيل أمراً غير واقعي.
إن استمرار مقاربة الملفات الحساسة بهذا الشكل قد يعمّق الفجوة بين الدولة والمواطن، ويكرّس شعوراً متزايداً لدى العائلات، لا سيما الجنوبية منها، بأنها تُترك وحيدة في مواجهة تداعيات الحرب، ليس فقط على المستوى الإنساني، بل أيضاً على المستوى الإداري والمالي، في مشهد يمكن توصيفه بأنه “انفصال كامل عن الواقع الذي يعيشه الناس”.

Social Plugin