دخل الصراع مع الجماعات المسلحة الموالية لإيران في العراق مرحلة أكثر خطورة، بعدما انتقلت الولايات المتحدة والسعودية من اعتراض الهجمات والتحذير منها إلى تنفيذ ضربات مباشرة داخل الأراضي العراقية، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 20 عنصرًا، ودفعت تلك الجماعات إلى إخلاء مقارها ورفع مستوى التأهب تحسبًا لموجة جديدة من الهجمات.
وبحسب تقرير للصحافية سبير ليبكين في "القناة 12" الإسرائيلية، فإن الهجوم الأميركي السعودي غير المسبوق نُفّذ ليل الثلاثاء - الأربعاء، وشكّل تصعيدًا واضحًا في المواجهة مع الجماعات الموالية لإيران، بعد سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع أميركية وسعودية.
وعقب الضربات، رفعت الجماعات المسلحة حالة الاستنفار، وأخلت مقار عدة في أنحاء العراق، خشية تنفيذ هجمات إضافية.
ووفق القيادة المركزية الأميركية، نفذت الجماعات الموالية لإيران في العراق أكثر من 30 هجومًا بطائرات مسيّرة خلال 72 ساعة، بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني.
وفي السعودية، أفادت تقارير بأن طائرات مسيّرة أُطلقت من العراق حاولت استهداف منشآت نفطية في المنطقة الشرقية وفي العاصمة الرياض.
واستهدفت الولايات المتحدة والسعودية مواقع لوجستية ومخازن أسلحة تابعة للجماعات المسلحة في مناطق مختلفة من العراق، إذ سُجلت ضربات في محافظة البصرة جنوب شرقي البلاد، ومحافظة واسط شرقي العراق، وكربلاء، ومحافظة نينوى شمالًا، ومحافظة كركوك، ومدينة آمرلي في محافظة صلاح الدين، إضافة إلى محافظة ديالى الواقعة شمال بغداد.
وأعلنت هيئة الحشد الشعبي، التي تُعد مظلة جامعة لعشرات الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مقتل ما لا يقل عن 20 عنصرًا وإصابة 32 آخرين، إلى جانب تضرر عدد من مقارها.
وفي الرسالة التي أرادت الرياض إيصالها، شددت السعودية على أنها لا تسعى إلى التصعيد، لكنها أوضحت في الوقت نفسه أنها سترد على أي هجوم يستهدف أراضيها.
وتعززت قوة الجماعات الشيعية المسلحة في العراق خلال موجتين أساسيتين. جاءت الأولى بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حين خاض بعضها مواجهات مع القوات الأميركية، فيما جاءت الموجة الثانية بصورة أكبر عام 2014، مع صعود تنظيم "داعش" وسيطرته على مساحات واسعة من البلاد.
ومنح القتال ضد "داعش" تلك الجماعات مزيدًا من القوة والسلاح والشرعية الشعبية والسياسية.
أما الحشد الشعبي، فهو هيئة مظلية تجمع عشرات التنظيمات والقوات المسلحة في العراق، معظمها شيعية، وشُكلت عام 2014 على خلفية الحرب ضد "داعش". وفي عام 2016، تقرر منح الهيئة وضعًا قانونيًا داخل العراق، في خطوة أثارت اعتراضات ومخاوف واسعة.
وعلى مدى سنوات، عملت إيران على تنمية قدرات عدد من هذه الجماعات عبر فيلق القدس التابع للحرس الثوري، وشمل الدعم التمويل والتدريب والاستشارات وتوفير الأسلحة.
وبذلك، تحولت الجماعات المسلحة إلى واحدة من الأدوات الرئيسية التي تستخدمها طهران لإظهار نفوذها في العراق والمنطقة.
ولا تقتصر ترسانة هذه الجماعات على الأسلحة الخفيفة، إذ تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، إضافة إلى وسائل قادرة على تنفيذ هجمات بعيدة المدى.
كما زودت إيران الجماعات العراقية على مر السنوات بالأسلحة والصواريخ والأنظمة غير المأهولة، إلى جانب الخبرات والتدريب.
ومنذ 7 تشرين الأول، انضمت الجماعات الموالية لإيران في العراق إلى المواجهة الإقليمية تحت اسم "المقاومة الإسلامية في العراق"، ونفذت هجمات على القوات الأميركية في العراق وسوريا، خصوصًا باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفي مواجهة إسرائيل، بدأت تلك الجماعات خلال عامي 2023 و2024 بتبني عمليات إطلاق طائرات مسيّرة وصواريخ نحو إسرائيل، في إطار ما وصفته بأنه دعم للفلسطينيين في قطاع غزة.
أما في المواجهة مع الولايات المتحدة، فكانت الذروة في كانون الثاني 2024، عندما أصابت طائرة مسيّرة أُطلقت في إطار عمليات الجماعات المسلحة قاعدة أميركية في الأردن، ما أدى إلى مقتل 3 جنود أميركيين.
وأفضى ذلك الهجوم إلى رد أميركي واسع استهدف مواقع تابعة لجماعات موالية لإيران في العراق وسوريا.
وبدأت المخاوف من ضربات إضافية تنعكس ميدانيًا وسياسيًا داخل العراق، إذ أفادت التقارير بأن الجماعات الموالية لإيران أخلت مقارها، فيما أمر رئيس الوزراء علي الزيدي بعقد اجتماع طارئ للحكومة لمناقشة التطورات.
ونقل التقرير عن مصدر في الحكومة العراقية أن الزيدي ألغى أيضًا زيارة كانت مقررة إلى السعودية في اليوم التالي، رغم أن المملكة كانت شريكة في الهجوم الذي نُفذ ليلًا.
وفي قراءة لأهداف الضربات، قال الخبير العسكري والاستراتيجي السعودي فيصل الحميد إن العملية حملت رسالة مباشرة من السعودية إلى الجماعات الموالية لإيران في العراق.
وأضاف: "نحن نعرف جيدًا أين توجد مواقعكم، وأين توجد مراكز القيادة والمخازن ومناطق التدريب التابعة لكم، ونعرف أيضًا أين يقيم قادة هذه الجماعات. وهذا يعني أننا قادرون على تحييدها بالكامل".
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن السعودية لا تريد الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، قائلًا: "السعودية، بحكم جوارها للعراق، لا ترغب في التصعيد. ولذلك أكدت الرسائل الصادرة عنها أن ما جرى هو عملية محدودة، ترسم خطًا جديدًا وواضحًا وصريحًا، وتؤسس قواعد اشتباك بالغة الأهمية: إذا كررتم ذلك، فسنكرر نحن أيضًا".
من جهته، قال الباحث في الشأن العراقي في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب، الدكتور رونين زايدل، للقناة 12، إنه "من الصعب في هذه المرحلة معرفة إلى أين ستتجه الأمور"، في ظل الدخول المباشر للولايات المتحدة والسعودية في عمل عسكري داخل الأراضي العراقية.
وأشار زايدل إلى أن الجماعات العراقية كانت حتى الآن أقل نشاطًا ضمن المحور الموالي لإيران، مقارنة بـ"حزب الله" والحوثيين وحركة "حماس"، إلا أن الهجمات الأخيرة غيّرت المشهد.
وأوضح أن الجماعات حاولت تطويق السعودية من اتجاهين، عبر ضغط الحوثيين من الجنوب، وهجمات الجماعات العراقية من الشمال باتجاه المنطقة الشرقية في المملكة.
وقال: "اعتقدوا أن كل شيء سيمر على ما يرام وكرروا ذلك، لكن السعوديين فقدوا صبرهم في النهاية".
ورأى زايدل أن تنفيذ السعودية غارات جوية داخل العراق يُعد خطوة غير مألوفة، وقد تنعكس أيضًا على الوجود الأميركي في البلاد.
وأضاف أنه من المفترض أن تسحب الولايات المتحدة آخر مستشاريها من العراق في 30 أيلول، إلا أن استمرار تطور الأوضاع قد يدفعها إلى عدم إخلاء قواتها.
وختم بالقول إن إيران قادرة على التأثير في مستوى التصعيد عبر الجماعات المسلحة، وإن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت طهران ستسمح لها بمواصلة التحرك أم ستتجه إلى ضبطها.
وبين إخلاء المقار العراقية ورسم الرياض خطًا أحمر جديدًا، تبدو الضربة رسالة تتجاوز أهدافها العسكرية المباشرة، وتفتح الباب أمام قواعد مواجهة قد تغيّر توازن النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة.
Whatsapp Channel
https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h
on telegram
https://t.me/achrafieh_news
all platforms
Achrafieh News
لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا

Social Plugin