"اجتياح"... ترامب يحوّل أزمة سبتة إلى إنذار للأميركيين


حوّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب أزمة الهجرة غير المسبوقة التي تشهدها مدينة سبتة الإسبانية إلى ورقة في المعركة الانتخابية الداخلية، واصفًا التدفق الجماعي للمهاجرين من المغرب بأنه أشبه بـ"اجتياح"، ومحذرًا من أن الولايات المتحدة قد تواجه مشهدًا أكبر في حال خسارة الجمهوريين الانتخابات المقبلة.



وقال ترامب، خلال اجتماع حكومته في منتجع كامب ديفيد بولاية ميريلاند، إنه تابع "الكارثة" التي وقعت في إسبانيا، مضيفًا أن المشهد "يبدو كأنه اجتياح لبلد"، قبل أن يربطه مباشرة بانتخابات الكونغرس النصفية، معتبرًا أن أزمة مماثلة قد تقع في الولايات المتحدة "لكن بصورة أسوأ وأوسع" إذا لم يحتفظ الجمهوريون بالسلطة.



وتحدث ترامب عن دخول "مئات الآلاف"، غير أن الأرقام الإسبانية الرسمية قدّرت عدد الذين عبروا من المغرب إلى سبتة بنحو 50 ألفًا، في حين رفع رئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس التقدير إلى نحو 60 ألف شخص خلال يومين، وهو رقم يعادل قرابة 70% من عدد سكان المدينة.



ولم يكتفِ ترامب بوصف المشاهد، بل استخدمها للدفاع عن سياسته المتشددة في ملف الحدود والهجرة، محمّلًا القوانين الإسبانية التي وصفها بالتساهل وسوء الإدارة مسؤولية تشجيع المهاجرين على العبور، ومقدمًا سبتة مثالًا لما يقول إنه قد يحدث في الولايات المتحدة إذا عادت المعارضة الديمقراطية إلى الحكم.



كما صعّدت وزارة الخارجية الأميركية موقفها تجاه حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، واتهمتها ببذل "جهود متعمدة" لتسهيل الهجرة غير النظامية الجماعية إلى أوروبا، مع إعلانها في الوقت نفسه الوقوف إلى جانب الشعب الإسباني في مواجهة ما وصفته بانتهاك السيادة.



وتفجرت الأزمة بعدما اندفعت أعداد ضخمة من المهاجرين، غالبيتهم من المغاربة إلى جانب مهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، نحو سبتة برًا وبحرًا، فعبر بعضهم الحواجز الحدودية، بينما سبح آخرون حول حاجز الأمواج الفاصل بين المغرب والمدينة الإسبانية.



وأعلنت السلطات الإسبانية انتشال جثامين 57 مهاجرًا على الجانب الإسباني من الحدود، بعدما غرق بعضهم خلال محاولة السباحة، فيما قضى آخرون نتيجة التدافع والسحق قرب الحاجز الحدودي. وأبقت فرق الغوص والإنقاذ عمليات البحث متواصلة، وسط مخاوف من وجود ضحايا إضافيين في المياه أو على الجانب المغربي.



ونشرت مدريد وحدات من الجيش وعناصر إضافية من الشرطة والحرس المدني في الشوارع وعلى الشواطئ وعند السياج الحدودي، في محاولة لإعادة ضبط الوضع ومنع عمليات عبور جديدة، بينما استخدمت القوات المغربية الغاز المسيل للدموع والهراوات لتفريق تجمعات حاولت الاقتراب من المعابر.



لكن المشهد بدأ بالانعكاس سريعًا، إذ أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن نحو 48,300 مهاجر عادوا طوعًا إلى المغرب بحلول مساء الجمعة، بعدما واجهوا نقصًا حادًا في الطعام والمأوى، وفشل كثيرون في إيجاد مكان للإقامة داخل المدينة الصغيرة التي عجزت مرافقها عن استيعاب الأعداد الوافدة.



ووصل سانشيز إلى سبتة لتفقّد الحدود، واصفًا عملية العبور الجماعي بأنها انتهاك للسيادة والسلامة الإقليمية لإسبانيا، ومؤكدًا تسريع إعادة من دخلوا بصورة غير نظامية بالتنسيق مع السلطات المغربية. كما حمّل شبكات تهريب البشر مسؤولية خداع الشباب ودفعهم إلى طرق عبور خطرة قد تنتهي بالغرق أو الموت عند الحدود.



ودعا سانشيز القادة الأوروبيين إلى عدم الانقسام في مواجهة الأزمة، بعدما تحولت سبتة إلى مصدر توتر داخل الاتحاد الأوروبي، وفرضت دول إجراءات حدودية إضافية، بينما أعلنت إيطاليا تعليق ترتيبات شنغن مع إسبانيا موقتًا، في خطوة اعتبرتها مدريد مخالفة للمعاهدات الأوروبية.



وتقع سبتة على الساحل الشمالي لأفريقيا عند مدخل البحر المتوسط، وتتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الإسبانية، وتشكل مع مدينة مليلية الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع القارة الأفريقية. ولهذا تحولت المدينتان منذ سنوات إلى مقصد للمهاجرين الساعين إلى دخول الأراضي الأوروبية عبر المغرب.



وسبق أن شهدت سبتة أزمة مشابهة في أيار 2021، عندما عبر أكثر من 10 آلاف شخص بعد تخفيف المغرب الرقابة على الحدود وسط توتر دبلوماسي مع مدريد، إلا أن التدفق الحالي تجاوز تلك الموجة بأضعاف، وأصبح الأكبر في تاريخ المدينة.



وتبحث السلطات الإسبانية في مجموعة من العوامل التي ربما ساهمت في التدفق، بينها شائعات انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والوضع الاقتصادي الصعب وارتفاع البطالة بين الشباب في المغرب، إضافة إلى تفسير خاطئ لحكم قضائي إسباني يتعلق بمنع الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون سباحة. ولم تثبت السلطات حتى الآن وجود سبب واحد مباشر يفسر انتقال عشرات الآلاف نحو الحدود في وقت متزامن.



كما أعادت الأزمة طرح مسألة اعتماد إسبانيا والاتحاد الأوروبي على التعاون المغربي في مراقبة الحدود، إذ يصعب على مدريد وحدها منع عمليات العبور الواسعة من دون انتشار أمني فاعل على الجانب المغربي، ما يمنح الرباط ورقة مؤثرة في علاقاتها السياسية مع إسبانيا وبروكسل.



وبالنسبة إلى ترامب، لم تبقَ أحداث سبتة أزمة إسبانية أو أوروبية، بل تحولت إلى صورة انتخابية يستخدمها لتأكيد خطابه القائم على تشديد الحدود والترحيل ومواجهة الهجرة غير النظامية، قبل أشهر من انتخابات الكونغرس النصفية.



وبينما تنشغل مدريد بإعادة السيطرة على الحدود وإنقاذ العالقين وإعادة عشرات الآلاف إلى المغرب، يضع الخطاب الأميركي الأزمة في قلب مواجهة سياسية أوسع، بين مقاربة ترى في التدفق مأساة إنسانية تتطلب تنسيقًا دوليًا، وأخرى تصفه بأنه "اجتياح" يستوجب إغلاق الحدود واعتماد إجراءات أكثر تشددًا.



Whatsapp Channel https://whatsapp.com/channel/0029VaU3AwE2975H6BlNTu3h on telegram https://t.me/achrafieh_news all platforms Achrafieh News لدعم اي اعلان يرجى التواصل معنا