واشنطن بين «إسوارة» بيروت و«زند» تل أبيب




جوزف القصيفي _ نقيب محرري الصحافة


هل في استطاعة الولايات المتحدة الأميركية أن تكون راعياً صالحاً ووسيطاً نزيهاً في أي خلاف أو نزاع، أو صراع بين دولة وأخرى؟ وتحديداً، هل بإمكانها تأدية هذا الدور بين لبنان وإسرائيل سواء في واشنطن أو روما؟

بيَّن التاريخ الحديث، أنّ الولايات المتحدة لم تتمكّن من حماية حلفائها في فييتنام، ولا في إيران، زمن الشاه الذي ولّى هارباً منها بعد انتصار الثورة الإسلامية، حتى أنّها رفضت منحه اللجوء على أرضها، فعاش في مصر السادات، التي وفَّرت له الإقامة الآمنة، وتولّت علاجه إلى أن وافته المنية. كذلك الأمر، فإنّ واشنطن غادرت أفغانستان بعدما سلّمتها مع ترسانة كبيرة من الأسلحة إلى حركة «طالبان»، وتركت حلفاءها يواجهون قدرهم. ولم تشذ الصومال عن هذه القاعدة، كما أنّ نصائح أبريل غلاسبي التي عُيِّنت سفيرة في بغداد غداة انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية، الوصفة السحرية الناجعة والسريعة التي ورطت الرئيس صدام حسين وأودت به إلى مغامرة جرّت الخراب على بلاده، ودفعت به إلى التهلكة. وفي لبنان لا ينسى أحد ممَّن عاصروا الأحداث كيف تبخّرت وعود الإدارة الأميركية للرئيس السابق أمين الجميّل، الذي وجد نفسه وحيداً في مواجهة أخصامه، وكان ما كان من أمر اتفاق السابع عشر من أيار ومصيره، والعمليات التي طالت عناصر الوحدتَين الأميركية والفرنسية العاملتَين في إطار «القوّة المتعدِّدة الجنسيات»، وذلك من دون الحديث عن حركة السادس من شباط وتأثيرها على أداء الجيش اللبناني في حينه.


كثيرة هي تقلّبات واشنطن وانقلاباتها، وما أوردناه ليس إلّا القدر اليسير من أحداث ووقائع على امتداد العالم. لكنّ الولايات المتحدة التي لا ثابت عندها إلّا المتحوِّل، تبقى الأكثر التزاماً ووفاءً لدولة واحدة في العالم: إسرائيل. وإنّ إسرائيل - مهما حلّل المحلّلون واستنتج المراقبون - هي البُعد الآخر للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وهي أيضاً الذراع والعين، والمرصد. وإنّ منظومة المصالح الاستراتيجية بين البلدَين هي التي تجعل من الكيان العبري «فرفور... وذنبه مغفور»، مهما ارتكب من خطايا ومجازر. فكم مرّة وجَّهت واشنطن من انتقادات لاذعة لسلوك إسرائيل السياسي والعسكري، لكنّها لم ترتدع، بل أكملت نهجها في القتل والدمار وضربت بالقرارات والاتفاقات عرض الحائط. والدليل على ذلك ما قامت به بعيد توقيع: «صيغة الإطار»، فقتلت مدنيّين، وواصلت تدمير البيوت والمنشآت، وتصعيد التوتر، بينما واصل كبار المسؤولين فيها القول بأنّ قوات دولتهم ستبقى في المواقع التي احتلّتها. وإذا أردنا الحديث بلغة الواقع، فإنّ هذه الصيغة بدأت متعثرةً، وأنّ الأمل بتنفيذها تحوطه غير علامة استفهام، ولا يعود السبب إلى عدم رغبة لبنان الرسمي، بل إلى تصلُّب تل أبيب وعدم تمكّن واشنطن من إرغامها. وليس في الأمر مغالاة لدى القول إنّ الولايات المتحدة لا تعجز عن شيء إذا قرّرت المضي فيه، باستثناء إخضاع إسرائيل وإلزامها بما لا تريده. وإن خضعت، فإلى حين التقاط أنفاسها لتعود إلى الانقضاض من جديد.


الديبلوماسيّون الأميركيّون الذين خدموا في الشرق الأوسط: لبنان، سوريا، الأردن، العراق، مصر، ثم عملوا في مراكز أبحاث متخصِّصة، وأصدروا كتباً عن تجاربهم، أجمعوا أنّ إسرائيل كانت عنصراً دائماً من عناصر عدم الاستقرار في المنطقة، ولم تسعَ يوماً إلى سلام عادل، أو تنصع إلى قرارات مجلس الأمن الدولي، وخصوصاً 49/194، و242، و338. وبالتالي هي مصدر القلق الدائم، والأحداث والحروب. وهؤلاء كانوا يرَون أنّ إدارة بلادهم تعرف ما يحصل جيّداً، وتعرف أنّ تل أبيب كانت تتجاوز الحدود، لكنها لم تكن في وارد اتخاذ أي تدبير زاجر في حقها، لأنّ الكلام الفصل في ما يتعلّق بالكيان العبري يعود إلى الدولة العميقة.


من هنا، يرى متابعون أنّ على الجانب اللبناني أن يكون حذراً في المفاوضات التي يخوض في واشنطن وروما. فإذا كانت بيروت «إسوارة» العاصمة الأميركية، فإنّ تل أبيب «زندها»، وقديماً قيل «بحبك يا إسواري... قدّ زندي لأ».


في أي حال، ترى السلطة اللبنانية ألّا بديل حالياً من التفاوض، وأنّ واشنطن تعهّدت بإلزام إسرائيل بالانسحاب من لبنان، خصوصاً أنّها الدولة الوحيدة في العالم القادرة على ممارسة الضغط عليها. ولذلك تجد ألّا مفرّ من الاستعانة بها لهذا الغرض. لكن - تكراراً - هل من السهولة بمكان إقناع إسرائيل، التي تنتهج في لبنان سياسة الأرض المحروقة والمدمِّرة، على غرار ما فعلت في حربها الإبادية على غزة؟
التجارب لا تشجّع، والدلائل لا ينقصها الإثبات، وإنّ المفاوضات في روما ستكون هي المؤشر لمدى جدّية واشنطن وقدرتها على التأثير على «تل أبيب» وحملها على احترام «صيغة إلاطار» من دون أي مماطلة أو إلتفاف، أو مناورة، وإلّا فإنّ كل أسباب الحرب واستئنافها ستبقى ماثلة.


وإذا كانت الولايات المتحدة تمتلك الكثير من مفاتيح الحل والربط في الصراعات الدولية والإقليمية الدائرة في العالم، فإنّ الحذر من وضع كل «البيض» في «سلّتها» يبقى من باب الحيطة والحكمة، لأنّ تجارب الماضي القريب والبعيد مع هذه الدولة العظمى، تجعل الرهان عليها محفوفاً بالشكوك.